توبكُتّاب وآراء

د. عصام قمر يكتب لـ«30 يوم»: لا تتركوا كبار السن يموتون مرتين.. مرة بالموت ومرة بالنسيان

ثلاث سنوات كاملة… كانت خلالها امرأة ترقد جثة هامدة داخل شقتها، بينما الحياة في الخارج تمضي، والناس تذهب وتجيء، والأبواب تُفتح وتُغلق، ولم يخطر ببال أحد أن يطرق بابها ويسأل: أين اختفت؟ حتى عُثر عليها أخيرًا، وقد تحوّل جسدها إلى هيكل عظمي!

قصة هزّت مواقع التواصل، لكنها في الحقيقة يجب أن تهز ضمائرنا جميعًا. فالمأساة ليست فقط أن امرأة ماتت، فالموت حق على كل إنسان، وإنما المأساة أن تغيب ثلاث سنوات دون أن يفتقدها أحد، أو يسأل عنها، أو يشعر بأن هناك روحًا كانت تسكن خلف ذلك الباب ثم انطفأت إلى الأبد!

أي زمن هذا الذي نعرف فيه أخبار الغرباء وتفاصيل حياة المشاهير، ونتواصل مع العالم بضغطة زر، بينما قد لا نعرف أن جارنا المسن لم يغادر شقته منذ أيام، أو أن زميلنا الذي اعتاد الجلوس معنا اختفى فجأة، أو أن صديقًا قديمًا أنهكه المرض والوحدة، أو أن أمًّا وأبًا ينتظران مكالمة من أبنائهما دون جدوى؟!

اسألوا عن كبار السن، ليس فقط عن آبائكم وأمهاتكم، بل عن جيرانكم، وزملائكم، وأصدقائكم، وأقاربكم، وكل من تقدم به العمر وأصبح حضوره أقل وتواصله أخفت. اسألوا عن الذي لم يعد يخرج، وعن التي لم تعد تزور أحدًا، وعن الوجه الذي غاب عن مكان اعتدتم رؤيته فيه. ربما يكون سؤالكم طوق نجاة لقلب يختنق بالوحدة.

كبار السن لا يريدون الكثير؛ يريدون أن يشعروا بأنهم لم يصبحوا عبئًا، وأن سنوات عطائهم لم تنتهِ بالنسيان، وأن هناك من يتذكرهم دون مناسبة، ويسأل عنهم دون مصلحة.

يقول الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ويقول رسول الله ﷺ: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا».

تذكروا أن العمر يدور، وأننا جميعًا سنكبر، وقد يأتي يوم ننتظر فيه رنين هاتف لا يأتي، أو طرقة باب لا يسمعها أحد.

لا تنتظروا خبر الوفاة لتسألوا، ولا صورة النعش لتتذكروا، ولا اكتشاف جثمان بعد سنوات لتبكوا وتكتبوا كلمات الرحمة!

ارحموا وحدتهم وهم أحياء، واسألوا عنهم قبل أن يصبح السؤال مستحيلًا.

فأقسى ما قد يحدث للإنسان ليس أن يموت وحيدًا فحسب، بل أن يكتشف العالم موته بعد أن يكون قد نسي أنه كان موجودًا!

 اقرأ أيضا– د. عصام قمر يكتب لـ«30 يوم»: الأحزاب في مصر.. سياسة أم ديكور؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى