د. عصام قمر يكتب لـ«30 يوم»: الأحزاب في مصر.. سياسة أم ديكور؟
أين الأحزاب من الناس؟ وأين السياسة من معاناة المواطن؟ وأين مواقفها من مستقبل الحياة السياسية؟
ما مساحة الأحزاب في الحياة السياسية المصرية؟ سؤال أصبح من الصعب تجاهله، في ظل مشهد يبدو فيه أن كثيراً من الأحزاب لا يتجاوز دورها حدود استكمال الصورة السياسية، والمشاركة في مشاهد التأييد والاحتفال، وكأن وجودها مطلوب لإثبات أن هناك حياة حزبية وتعددية سياسية، بصرف النظر عما تقدمه هذه الأحزاب فعلياً للمجتمع.
أين مواقف هذه الأحزاب من الغلاء الذي يلتهم دخول المصريين؟ أين صوتها في مواجهة ارتفاع أسعار البنزين، والضرائب، وفواتير الخدمات الحكومية؟ أين دورها في أزمة قانون الإيجارات، وفي تدهور التعليم، وفي الأعباء اليومية التي أصبحت تثقل كاهل المواطن؟ أين المبادرات الجادة، والمواقف الواضحة، والضغوط السياسية والرقابية التي يشعر المواطن من خلالها أن هناك من يتحدث باسمه ويدافع عن مصالحه؟
بل أين الأحزاب من قضية الساعة، وهي مسألة تغيير الدستور لتمديد فترة الرئاسة؟ أليس هذا من أخطر وأهم الملفات التي تستوجب نقاشاً سياسياً ومجتمعياً واسعاً؟ أين مواقف الأحزاب المعلنة؟ أين الدراسات الدستورية، والحوارات الجادة، والمناقشات العامة؟ وأين حق المواطن في أن يسمع رأياً واضحاً من الأحزاب التي يفترض أنها تمثله سياسياً؟
إن القضايا الدستورية الكبرى ليست شأناً هامشياً، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد إجراءات أو ترتيبات سياسية عابرة. فالدستور ليس وثيقة شكلية، وفترات الرئاسة وتداول السلطة ومبدأ الفصل بين السلطات قضايا تمس طبيعة الدولة ومستقبل نظامها السياسي. ومن حق المجتمع أن يسمع من كل حزب موقفاً واضحاً، سواء بالتأييد أو الرفض أو التحفظ، مع تقديم مبرراته للرأي العام. أما الصمت أو الاكتفاء بمواقف عامة، فيطرح تساؤلات مشروعة حول حقيقة الدور السياسي لهذه الأحزاب.
المشكلة ليست في عدد الأحزاب، ولا في أسماء رؤسائها، ولا في حجم مقارها أو ميزانياتها، وإنما في غياب الدور الحقيقي. فالحزب السياسي ليس لافتة على مقر، ولا عضوية في بطاقة، ولا مقعداً في مناسبة رسمية، ولا صورة جماعية مع مسؤول. الحزب كيان يفترض أن يمتلك رؤية، وموقفاً، وبرنامجاً، وقدرة على المعارضة والنقد والمحاسبة، حتى عندما تكون مواقفه غير مريحة للحكومة.
والأكثر إثارة للتساؤل أن بعض الأحزاب الكبيرة، التي تمتلك المال والحضور الإعلامي والانتشار الاجتماعي، تبدو في أحيان كثيرة أقرب إلى تجمعات للوجهاء ورجال وسيدات الأعمال ومحبي الظهور والمناسبات. أشخاص يجدون في العمل الحزبي مساحة للوجاهة الاجتماعية، وإضافة إلى الصورة العامة، وربما دعماً لمصالحهم وعلاقاتهم وأعمالهم، بينما يظل العمل السياسي الحقيقي غائباً أو محدود الأثر.
لا أعمم، ولا أنكر وجود أعضاء وشخصيات داخل بعض الأحزاب لديهم رغبة حقيقية في العمل العام، لكن السؤال يظل قائماً: ماذا تغير هذه الأحزاب في حياة الناس؟ وما القضية التي خاضت من أجلها معركة سياسية حقيقية؟ وما الموقف الذي اتخذته وتحملت مسؤوليته دفاعاً عن المواطن أو عن المبادئ الدستورية والسياسية؟
السياسة ليست حفلات ومؤتمرات وبيانات تأييد، وليست سباقاً على الظهور في الصور. السياسة موقف، ومواجهة، ومساءلة، وانحياز لمصالح الناس، ودفاع عن قواعد الحياة الدستورية والسياسية.
إن الحزب الذي لا يسمع المواطن صوته في أزماته، ولا يراه إلى جواره عندما تتآكل قدرته على الحياة، ولا يجد له موقفاً واضحاً من القضايا التي تمس مستقبله ومستقبل بلاده، عليه أن يسأل نفسه بجدية: ما جدوى وجوده؟ وما الفرق بينه وبين مجرد جمعية أهلية أو نادٍ اجتماعي لأصحاب المصالح والوجاهة؟
المصريون لا يحتاجون أحزاباً لتكملة الديكور السياسي، ولا إلى كومبارس يملأ مقاعد المشهد. إنهم يحتاجون أحزاباً تمارس السياسة بالفعل، وتملك شجاعة اتخاذ المواقف، حتى لو اختلفت مع السلطة.
فإما أن تكون الأحزاب صوتاً للناس وأداة حقيقية للمشاركة والتغيير والمحاسبة، وإما أن يظل السؤال المُحرِج يطاردها:
هل نحن أمام حياة حزبية حقيقية، أم مجرد مسرح سياسي يحتاج إلى ممثلين إضافيين لاستكمال الصورة.
اقرأ أيضا – د. عصام قمر يكتب لـ«30 يوم»: نواب الشعب.. ماذا أنتم فاعلون؟




