كُتّاب وآراء

خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: هل أصبح المؤثرون أهم من الصحفيين؟

أثار اجتماع ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، مع عدد من صُنّاع المحتوى الذين يُطلق عليهم «المؤثرون»، تساؤلات حول مستقبل الإعلام التقليدى، وحدود نفوذ السوشيال ميديا، ودلالات اهتمام الدولة بأشخاص يتابعهم ملايين المواطنين عبر منصاتهم الرقمية.

فماذا يعنى أن يستقبل الوزير هؤلاء، بينما تواجه مؤسسات صحفية وإعلامية أزمات متلاحقة، رغم امتلاكها قيادات تحريرية وصحفيين محترفين وأجهزة حديثة واستوديوهات مجهزة؟

هل أصبح المؤثرون أكثر أهمية من الصحفيين؟ وهل تغيرت قواعد اللعبة الإعلامية إلى الحد الذى باتت معه أرقام المشاهدة والتفاعل أكثر تأثيرًا من اسم المؤسسة وخبرتها المهنية؟

تخيلوا شابًا لم يدرس الإعلام، ولم يحصل على تدريب كافٍ، يستطيع بإمكانات فردية محدودة أن يحقق انتشارًا يتجاوز ما تحققه مواقع إلكترونية تضم فرقًا من الصحفيين والمحررين، وتعمل وفق خطط تحريرية وإمكانات تقنية كبيرة. فهل السبب تغير ذوق الجمهور، أم إخفاق المؤسسات التقليدية فى فهم احتياجاته، أم أن الأمر يجمع بين العاملين؟

لقد غيّرت المنصات الرقمية طريقة استهلاك الأخبار والمعلومات، وأصبح الجمهور يميل إلى المحتوى السريع والبسيط والتفاعلى. لكن عدد المتابعين لا يعنى بالضرورة امتلاك الكفاءة الصحفية، فهناك فارق بين جذب الانتباه والتحقق من المعلومات وتحمل مسؤولية نشرها.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يعكس استقبال الوزير للمؤثرين اعترافًا ضمنيًا بأزمة الإعلام الرسمى والخاص، حتى بات بعضه أشبه بمريض فى غرفة الإنعاش؟

ربما يكون اللقاء إقرارًا بأهمية قوة إعلامية جديدة لم يعد ممكنًا تجاهلها، لكنه يفتح أيضًا باب التساؤل عن طبيعة العلاقة التى تريد الدولة بناءها مع هؤلاء. هل الهدف الاستفادة من قدرتهم على الوصول إلى الجمهور، أم التفكير فى جمعهم داخل كيان رسمى يتيح تنظيم نشاطهم والتأثير فى حركتهم؟

ومن هنا تبرز فكرة إنشاء كيان مهنى لصُنّاع المحتوى، سواء عبر إدماج بعضهم فى شُعبة بنقابة الإعلاميين مثلًا وفق الأطر القانونية، أو تأسيس كيان مستقل تحت مسمى «نقابة صُنّاع المحتوى». لكن السؤال المهم هو: هل سيكون هذا الكيان وسيلة لتنظيم المهنة وحماية الجمهور، أم قد يتحول إلى أداة للاحتواء وفرض قيود على أصحاب المنصات؟

إن تنظيم صناعة المحتوى قد يكون مطلوبًا فى ظل اتساع تأثيرها، شريطة أن يقوم على قواعد واضحة وموضوعية، تحمى المسؤولية المهنية وحرية التعبير، وألا يتحول إلى وسيلة لفرض خطاب موحد أو منح الشرعية لفئة دون أخرى.

وفى المقابل، لا ينبغى أن تتحول العلاقة إلى صراع بين الصحفيين والمؤثرين. فالصحفى يمتلك أدوات التحقق والتوثيق والتحليل، بينما قد يتميز صانع المحتوى بقدرته على التواصل المباشر مع الجمهور. إذًا الجمع بين المهنية الصحفية وأساليب العرض الحديثة يمكن أن ينتج إعلامًا أكثر تأثيرًا ومصداقية.

المشكلة الحقيقية أن امتلاك التكنولوجيا والاستوديوهات لم يعد كافيًا لضمان النجاح، كما أن الشهرة وحدها لا تصنع إعلامًا مسؤولًا. فالمؤسسات مطالبة بتجديد خطابها واستعادة ثقة الجمهور، وصُنّاع المحتوى مطالبون بإدراك أن الانتشار يفرض مسؤولية، لا مجرد تحقيق المشاهدات.

فى النهاية، لا يُقاس نجاح الدولة فى التعامل مع الإعلام الجديد بعدد المؤثرين الذين تستقبلهم، وإنما بقدرتها على بناء بيئة إعلامية تعددية ومهنية تحمى حق المواطن فى المعرفة.

لقد تغيرت قواعد اللعبة بالفعل، ولم يعد السؤال من ينتصر: الإعلام التقليدى أم السوشيال ميديا؟ بل لماذا فقدت بعض المؤسسات قدرتها على المنافسة، وكيف يمكن استعادة ثقة الجمهور، دون تحويل المؤثرين إلى أدوات رسمية، أو ترك المجال الرقمى بلا ضوابط مهنية عادلة؟

Khalededrees2029@gmail.com

اقرأ أيضا– خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: الكلاب الضالة.. أين حق الإنسان فى الأمان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى