سامي صبري يكتب لـ «30 يوم»: «الأضحى».. فرحة بأوجاع مصرية
رغم ضربات الغلاء الفاحش وقسوة الحياة على شريحة كبيرة من الشعب المصرى،، إلا أن هؤلاء المصريين ببساطتهم وقوة صبرهم وقدرتهم على التحمل، يستطيعون ـ وبقدرة قادر ـ تحدى الفقر، والتكيف سريعا مع الظروف الصعبة، ومع ارتفاع أسعار الوقود والدواء واللحوم مرورا بخدمات الكهرباء والمياه والغاز والاتصالات ونهاية برسوم المدارس والجامعات وغيرها من الخدمات.
رغم كل هذه الضغوط المادية والنفسية والعصبية، تجد فى كتالوج حياة المصريين أيام العيد صفحة أخرى مختلفة لشعب فريد من نوعه فى كل شىء، تكويه الأسعار، فيخفى وجعه، تطحنه الأيام، فيتمسك بالحياة، تفترسه الأمراض، فيكتفى بصرخة الوجع، لا تلبى الحكومة احتياجاته، فييتشبث بالأمل، هكذا، خلقه الله عجينة نادرة.
فقبل طلوع شمس عرفه، تجده يتجهز لاستقبال أعظم عيد، بالصيام والدعاء وفعل الخيرات وقراءة القرآن، والدخول فى رحلة روحانية، يقتطع من قوته ويدبر ما تيسر لشراء الأضحية، قد يتحملها كاملة أو يشارك مع آخرين، إلتزاما بسُنة وعادة إرتبطت فى وجدانه بنبى الله إبراهيم وإبنه إسماعيل عليهما السلام، وشعيرة دينية تتوج إيمان المسلمين.
وفى يوم الوقفة، تتنافس النساء فى تنظيف البيت، وشراء مستلزمات العيد، وإعداد رحلة العودة للجذور لزيارة الأهل والأحباب فى المحافظات، فكله يهون من أجل الحفاظ على صلة الرحم، فما أجمل الجلوس مباشرة، مع العائلة الكبرى والأعمام والأخوال بعيدا عن الفيس والواتس.
وفى يوم العيد، ومع إنطلاق التكبيرات، يتزين الجميع، ويخرجون إلى المساجد والساحات يصنعون فرحة، ينسفون بها مشاكلهم وأوجاعهم وآلامهم، وشكواهم المستمرة، من الحكومة ونواب البرلمان ومن قوانين التأمينات والمعاشات والأسرة والزواج وغيرها من قوانين محبطة ومخيبة للآمال.
وفى جميع المدن الكبرى والقرى والنجوع، يرسم المصريون لوحة جميلة منسوجة بخيوط الصبر وخبز الحياة وملح الأرض لأقوى وأجمل وطن، عنوانها اللافت المساواة وتقوى الله وصلة الرحم ونسيان الوجع.
هنا الجميع ينضوى تحت لواء الإسلام لا فرق بين غنى وفقير ولا وزير وغفير، ولا أبيض وأسود، ولا بين مصرى وعربى وأجنبى، كلنا مسلمون، وكم كان المشهد مفرحا وأنا أرى بعينى فى مسجد بيفرلى هيلز بمدينة الشيخ زايد شبابا مصريين يبرحون أماكنهم لإستقبال عدد من العائلات اليمنية والسودانية والإفريقية، يتابدلون التهانى، تضامنا وترحابا، يحتضنون الأشقاء كأبناء وطن واحد وأمة واحدة.
وبمجرد أن تنتهى صلاة العيد الكبير ـ كما يحب أن يسميه المصريون ـ تتطاير البالونات فى السماء، وينطلق الأطفال يوزعون الحلوى والورود، ويزداد هذا المشهد بهجة بلوحة اخرى يرسمها أهلنا فى الريف والأحياء القديمة بزفة الذبح، حيث يقود الأطفال والشباب الأضاحى من عجول وخراف إلى مواقع الذبح والجزارين على أنغام الموسيقى الشعبية والابتسامة حاضرة على الشفاة، أجدادا وآباءً وأبناء ً، أطفالا وشباب ونساء، ولا تكتمل سعادتهم إلا بتوزيع اللحوم.
وإن كانت عادة غمس اليدين بدم الأضحية وطبعهما على حوائط المنزل، قد تلاشت، إلا إنها تطورت وتبدلت بصورة سيلفى ومقطع ريلز قصير وسريع؛ يوثق فرحة أضحية العيد.
وعلى المائدة (سفرة كانت أو طبلية أو ترابيزة بلاستيكية ) تجتمع الأسرة على طبق فتة وخبز محمص بالسمن البلدى مخلوط بالشوربة وعصير الطماطم وخل وثوم، مع قطع من الكبد والكلاوى، واللحم المسلوق، وجبة إفطار شهية، تعقبها وجبة غداء من طاجن الوجه البحرى، خضروات بالمحاشى والكوارع والممبار، ولا تنافسه سوى وجبة الصعيد المعروفة، رقاق « الشوربة الحمراء «.. وعندها ينطق اللسان « لقمة هنية تكفى مية «. وأتركم الآن فى أمان الله.. لأنى إشتقت فعلا لقضاء العيد فى بلدى وحبيبتى « المحمودية «.. وكل عيد وأنتم بخير.
SAMYSABRY19@GMAIL.COM
اقرأ أيضا
سامي صبري يكتب لـ «30 يوم»: الإخوة الأعداء.. ماذا بعد؟




