كُتّاب وآراء

د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: الفطرة النقية.. هل هي القلب السليم؟

تظل في بعض الأشخاص مساحة مضيئة من العفوية لم تتعلم بعدُ كيف ترتدي الأقنعة ، ولا كيف تخفي مشاعرها الحقيقية خلف الكلمات الخادعة. وربما كان هذا ما نعنيه حين نتحدث عن الفطرة النقية؛ تلك الحالة التي يكون فيها الإنسان أقرب إلى صدقه الداخلي، وأقل انشغالًا بتجميل صورته أمام الآخرين.
فالنقاء الداخلي لا يعني أن يكون الإنسان بلا أخطاء، ولا أن يجهل الشر الذي يحيط به، بل أن يعرفه جيدا , ولكن دون أن يسمح له بأن يفسد ما في داخله من رحمة وصدق، أو أن يستولي هذا الشر على نظرته إلى الوجود كله. فالإنسان النقي قد يمر بالألم والخيانة كثيرا، وقد يعرف مرارة الصراع الداخلي وألمه، لكنه يظل قادرًا على أن يحب ويدرك حلاوة المحبة، وأن يرحم بصدق، وأن يرى في “الآخر” قيمة لا تختزل في المنفعة الوقتية التي يحققها له. فهذا الإنسان النقي أبعد ما يكون عن الانتهازية الرخيصة والأنانية المتوحشة اللتين تتنافيان مع بياض القلب وطيبته.
ولعل أجمل ما يكشف هذه الفطرة النقية هو علاقتنا بالكائنات التي لا تتعامل معنا من خلال مكانتنا الاجتماعية أو ما نملكه من مال وسلطة. فقد يطمئن طفل صغير إلى إنسان دون آخر، ويمنحه ضحكة مشرقة، وقد يألف حيوان شخصًا يبدو أكثر هدوءًا ورفقًا به. فالحيوان يختبر رحمتنا، والنبات يعلّمنا الانتباه إلى حياة لا تتحدث بلغتنا ولا تطلب منا الاعتراف بها.
ولا يعني ذلك أن الأطفال أو الحيوانات يستطيعون الحكم على حقيقة النفوس حكمًا معصومًا، لكنه يذكّرنا بأن الثقة قد تبدأ أحيانًا من إشارات بسيطة في سلوكنا، قبل أن تتدخل فيها الحسابات والمصالح. وربما كان الإنسان النقي هو من يمنح غيره شعورًا بالأمان؛ لأنه لا يتعامل معه بوصفه وسيلة لتحقيق غاية، ولا سلّمًا يصعد عليه ليصل إلى مآربه، ثم يتركه بعد أن ينتفع به ويهرب.
وهنا يلتقي معنى “الفطرة النقية” بفكرة “القلب السليم”، التي عبّر عنها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 89). فالقلب السليم ليس بالضرورة قلبًا لم يعرف الحزن أو الغضب أو الخذلان، وإنما يمكن فهمه أخلاقيًا بوصفه قلبًا لا تستقر فيه الضغينة أو الحقد أو الحسد أو الغيرة استقرارًا يفسد علاقته بالله وبالناس. إنه قلب يستطيع أن يخطئ ثم يراجع نفسه، وأن يتألم دون أن يتحول ألمه إلى قسوة، وأن يرى الخير في الآخرين دون أن يفقد قدرته على التمييز بينهم.
وفي هذا المعنى، يمكنني أن أستحضر دوستويفسكي في رواية “الإخوة كارامازوف”، حين يجعل الأب زوسيما من محبة الإنسان والحيوان والنبات طريقًا لتجاوز الأنانية والاقتراب من الإيثار الحقيقي. فالمحبة هنا طريقة في الوجود؛ تظهر حين نتعامل مع الكائنات برفق ورحمة، ولا نختزل العالم فيما يمنحنا إياه من منفعة فقط. وكأن صفاء الداخل لا يكتمل بمجرد أن يشعر الإنسان بأنه طيب، بل حين تتحول طيبته إلى فعل يظهر في معاملته لمن لا ينتظر منهم مقابلًا.
أن “الفطرة النقية” ليس لها مكان بين المصالح الضيقة أبدا، بل تتجلى حين نختار الصدق طريقًا، وندخل إلى العالم من باب الرحمة والتواضع. أما “القلب السليم”، فهو أعمق من مجرد العفوية؛ لأنه لا يكتفي ببراءة البداية، بل يحتاج إلى وعي أخلاقي يحفظ هذه البراءة من أن تتحول إلى سذاجة ، ويحفظ الطيبة من أن تصبح ضعفًا يستغله أصحاب النوايا السيئة. إذن، فالفطرة تمنحنا البذرة، والقلب السليم يرعاها، حتى تصبح الأخلاق في حياتنا اليومية ثمرة يراها الآخرون في سلوكنا العملي.

 اقرأ أيضا – د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: كرامة المعلم مقياس تقدم الأمم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى