كُتّاب وآراء

د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: كرامة المعلم مقياس تقدم الأمم

لا تسأل عن أسباب تخلف الأمم قبل أن تسأل عن مكانة المعلم فيها؛ فالمعلم ليس مجرد موظف يؤدي عملًا وينصرف، بل هو الإنسان الذي يشارك في بناء العقول وتشكيل وعي الأجيال. ومن هنا، فإن احترام المعلم ليس مجاملة لشخصه، بل احترام للعلم نفسه، وتقدير لدوره في صناعة المستقبل. فكيف ننتظر من مجتمع أن يتقدم، بينما لا يمنح التقدير الكافي لمن يعلّم أبناءه كيف يفكرون، ويميزون بين الصواب والخطأ، ويواجهون تحديات الحياة؟

إن نهضة الأمم لا تتحقق بالمال والتكنولوجيا وحدهما، بل تحتاج إلى عقول قادرة على التفكير والإبداع. وهذه العقول لا تتكون من فراغ، وإنما تحتاج إلى معلم مؤهل، يحظى بالتقدير، ويعمل في ظروف تساعده على أداء رسالته.

فإذا أردنا تعليمًا جيدًا، فعلينا أن نمنح المعلم مكانته المستحقة، وأن نوفر له حياة كريمة، ونستمع إلى رأيه، ونحترم خبرته. فلا يصح أن نطالبه بتخريج أجيال قادرة على المنافسة، بينما يشعر هو نفسه بأن جهده لا يُقدَّر ومكانته لا تُحترم.

وتظهر المشكلة بصورة أوضح حين تختل معايير التقدير في المجتمع؛ فنجد أحيانًا أن أصحاب المحتوى السطحي والشهرة السريعة يحظون باهتمام واسع، بينما لا ينال المعلم والمفكر والباحث ما يستحقونه من تقدير. وليس الاعتراض هنا على الشهرة أو الترفيه، فلكل منهما مكانه، وإنما الاعتراض على أن تصبح الشهرة أهم من القيمة، وأن يجذب الضجيج اهتمام الناس أكثر مما يجذبه العلم والمعرفة. فالمجتمع الذي يرفع من شأن المظاهر، ويهمش أصحاب الفكر، يضعف قدرته على التمييز بين ما يسلّي الإنسان وما يبني عقله.

وقد يقول قائل إن المعلم مسؤول عن تطوير نفسه، وإن مكانته تتوقف على كفاءته وأدائه. وهذا صحيح من حيث المبدأ، فالمعلم مطالب بالتعلم المستمر، والالتزام بواجبه، وتطوير أدواته. لكن هل يجوز أن نطالبه بكل ذلك دون أن نوفر له المقابل العادل والبيئة المناسبة والاحترام اللازم؟ إن تقدير المعلم لا يعني إعفاءه من المحاسبة، بل يعني أن تكون المحاسبة عادلة، وأن يقابل الواجب بالحق، وأن نميز بين إصلاح أخطاء التعليم والتقليل من شأن العاملين فيه. فلا يمكن إصلاح التعليم بإهانة المعلم، كما لا يمكن بناء مجتمع يحترم العلم وهو لا يحترم من يعلّمه.

إن كرامة المعلم ليست قضية تخص المعلمين وحدهم، بل تخص الأسرة التي تريد مستقبلًا أفضل لأبنائها، والدولة التي تسعى إلى التنمية، والمجتمع الذي يحتاج إلى عقول واعية تستطيع مواجهة مشكلاته. ولهذا فإن إهمال المعلم لا تتوقف آثاره عند حدود المدرسة، بل تمتد إلى المجتمع كله. وإذا أردنا أن نعرف مدى اهتمام أمة بمستقبلها، فعلينا أن ننظر إلى ما تمنحه للتعليم، وإلى الطريقة التي تعامل بها معلميها.

فلا تسأل فقط لماذا تتخلف الأمم، بل اسأل كيف تكرّم معلميها، وما المكانة التي تمنحها للعقل والعلم. فحين يُهان المعلم، ويُهمَّش الفكر، وتختل معايير التقدير، يبدأ المجتمع في إضعاف أهم أدوات تقدمه. وقد لا تظهر النتائج فورًا، لكنها تتراكم في أجيال تفتقر إلى المعرفة والوعي والقدرة على التفكير المستقل.

إن نهضة الأمم تبدأ حين تدرك أن المعلم ليس عبئًا على المجتمع، بل استثمار في مستقبله، وأن كرامته ليست مطلبًا شخصيًا، بل ضرورة لبناء إنسان قادر على النهوض بوطنه. فالمجتمع الذي لا يقدّر من يبني العقول، لا ينبغي أن يتعجب حين يتراجع الوعي، ولا أن يطالب أبناءه بالتفوق بينما يقلّل من شأن من يعلّمهم. فالأمم لا تخسر مستقبلها حين تقلّ مواردها فقط، بل حين تختلّ معاييرها، فيصبح صاحب الضجيج أشهر من صاحب الرسالة، ويصبح من يصنع الوعي أقل تقديرًا ممن يستهلكه.

فكرامة المعلم ليست مكافأة يستحقها بعد أداء رسالته، بل شرط من شروط قدرته على أدائها؛ والأمة التي تريد أن تحصد مستقبلًا أفضل، عليها أن تحترم من يزرعه اليوم.

اقرأ أيضا– د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: وهم النجاة المنفردة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى