توبكُتّاب وآراء

هشام الهلوتي يكتب لـ«30 يوم»: متى تنتهي حالة الظلام؟!

حالة من الكآبة والحزن الدفين تخيم على المصريين، بسبب ظاهرة إظلام الطرق والشوارع المصرية منذ فترة طويلة، تحت شعار ترشيد استهلاك الكهرباء.

ولا أحد يختلف على أهمية ترشيد الطاقة والحفاظ على موارد الدولة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يكون الحل دائماً بإطفاء الأنوار وإغراق الطرق في الظلام؟ وهل لم يعد أمامنا سوى الاختيار بين فاتورة كهرباء مرتفعة وطرق مظلمة تهدد الأرواح وتعرقل حركة التنمية؟

للأسف، يبدو أن من اتخذ قرار إظلام الطرق قد غاب عنه أن العالم قطع شوطاً كبيراً في البحث عن بدائل حديثة ومنخفضة التكلفة للإضاءة التقليدية، وأن هناك حلولاً مبتكرة وموفرة للطاقة تستخدمها دول عديدة منذ سنوات.

والأخطر من ذلك أن إظلام الطرق بهذا الشكل لا يمثل مجرد مشكلة تتعلق بالراحة أو الشكل الحضاري، وإنما يمكن أن ينعكس على السلامة العامة والأمن وحركة الاستثمار والسياحة والاقتصاد.

فالطرق المظلمة بيئة أكثر صعوبة أمام كاميرات المراقبة، وتزيد مخاطر تعرض المواطنين للسرقة والبلطجة وغيرها من الجرائم، كما تجعل مهمة رصد وتوثيق بعض الوقائع أكثر صعوبة. والأخطر هو ما يتعلق بحوادث الطرق، خصوصاً على الطرق السريعة والدائرية والصحراوية التي تربط المحافظات، حيث يمثل ضعف الرؤية عاملاً إضافياً من عوامل الخطورة على السائقين والمسافرين.

ولا تتوقف آثار الظلام عند حدود الأمن والسلامة، وإنما تمتد إلى النشاط الاقتصادي أيضاً. فحركة نقل البضائع ليلاً تصبح أكثر صعوبة في بعض المناطق، وقد تضطر بعض شركات النقل إلى تعديل مواعيدها أو زيادة إجراءات التأمين، بما ينعكس في النهاية على تكاليف التشغيل والخدمات والسلع.

كما أن صورة الطرق والبنية الأساسية تمثل جزءاً من الصورة الذهنية لأي دولة أمام المستثمرين والزائرين. ومن هنا فإن الحفاظ على طرق آمنة ومضاءة لا ينبغي النظر إليه باعتباره رفاهية، وإنما جزء من منظومة متكاملة لدعم التنمية والاستثمار.

أما السياحة، فحدث ولا حرج.

فالكثير من المدن السياحية تعتمد على الحركة الليلية والممشى السياحي والأنشطة المسائية، كما أن الطرق التي تربط المدن والمناطق السياحية تمثل شرياناً أساسياً لحركة الأفواج السياحية. وعندما تصبح بعض الطرق مظلمة أو ضعيفة الإضاءة، فإن ذلك قد يؤثر على حركة السياح وشركات السياحة، خاصة فيما يتعلق بالرحلات البرية الليلية.

ومن المؤكد أن السائح لا يقيس تجربته في مصر بالآثار والفنادق والشواطئ فقط، وإنما أيضاً بمدى شعوره بالأمان وسهولة الحركة وجودة الخدمات والبنية الأساسية.

الغريب أن حلولاً كثيرة طُرحت بالفعل، لكنها لم تحظَ بالاهتمام الكافي.

فقد تناولت الدكتورة عبير بسيوني، في مقال لها بـ«بريد الأهرام» منذ أسابيع، عدداً من الأفكار الحديثة والمنخفضة التكلفة لإضاءة الطرق، من بينها اتجاه دول عديدة إلى جعل الطريق نفسه جزءاً من منظومة الإضاءة، بدلاً من الاعتماد الكامل على أعمدة الإنارة التقليدية.

ومن بين هذه الحلول الطلاءات الفسفورية التي تمتص الطاقة الضوئية خلال النهار، سواء من الشمس أو من مصادر الإضاءة الصناعية، ثم تعيد إطلاقها في صورة ضوء ليلاً، ويمكن استخدامها في تحديد المسارات وممرات الطوارئ وعلامات السلامة.

وهناك أيضاً الطلاءات العاكسة للضوء، التي تعتمد على عكس ضوء مصابيح السيارات، بما يساعد على إظهار علامات الطريق وتحديد المسارات والعلامات التحذيرية، وهي تقنيات يمكن أن تكون أكثر فاعلية عند دمجها مع أنواع أخرى من الطلاءات المضيئة.

كما ظهرت تقنيات تعتمد على تخزين الطاقة الشمسية نهاراً وإطلاقها في صورة ضوء ليلاً، بما يسمح بتقليل الاعتماد على شبكة الكهرباء، إلى جانب حلول أخرى أكثر تطوراً تعمل على دمج تقنيات الطاقة الشمسية بمواد تستخدم في الطرق والأسطح المختلفة.

وهناك أيضاً حلول هجينة يمكن تطبيقها تدريجياً، مثل استخدام أعمدة إنارة صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية إلى جانب الطلاءات العاكسة، أو تركيب وحدات إضاءة LED أرضية داخل الأرصفة، فضلاً عن أنظمة الإنارة الذكية التي تعمل بالحساسات، فتزيد الإضاءة عند مرور السيارات أو المشاة وتخفضها عندما تنخفض الحركة.

وهكذا يمكن الوصول إلى منظومة تحقق المعادلة الصعبة: طرق آمنة ومضيئة، ولكن بتكلفة أقل واستهلاك أقل للكهرباء.

نحن لسنا ضد ترشيد استهلاك الكهرباء، بل إن الترشيد ضرورة في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة واحتياجات الدولة المتزايدة. لكن الترشيد الحقيقي لا يعني بالضرورة إطفاء الأنوار، وإنما يعني البحث عن التكنولوجيا التي تجعلنا نستهلك طاقة أقل ونحصل في الوقت نفسه على مستوى أعلى من الأمان والخدمة.

والسؤال هنا ليس: لماذا نضيء الطرق؟ وإنما: كيف نضيء الطرق بأقل تكلفة وأقل استهلاك للطاقة؟

وهذا هو دور الخبراء وأجهزة الدولة ومراكز البحث العلمي، أن تبحث عن حلول مبتكرة بدلاً من الاكتفاء بالحلول التقليدية التي تجعل المواطن أمام خيارين أحلاهما مر: إما الظلام أو فاتورة كهرباء مرتفعة.

لقد عرف المصريون الكهرباء والإنارة الحديثة منذ أكثر من قرن، وتشير المصادر التاريخية إلى أن شركة «ليبون» حصلت عام 1892 على امتياز لتجربة إضاءة شوارع القاهرة بالكهرباء لأول مرة.

فهل يعقل، بعد 134 عاماً من دخول الكهرباء إلى شوارع القاهرة، أن نعود مرة أخرى إلى عصر الظلام؟

نحن لا نريد سوى أن تعود الأنوار إلى طرقنا، وأن يشعر المواطن بالأمان، وأن تظل مصر مضيئة كما كانت دائماً.

تعيشي يا بلدي.. منورة، وآمنة، ومضيئة بأفكار أبنائها قبل مصابيح طرقها.

 اقرأ أيضا– هشام الهلوتي يكتب: الدكتور عدوي والقضاء على فيروس سي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى