كُتّاب وآراء

د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: ليس بالمال تتحقق السيادة بل بالرشادة !

لا تتحقق سيادة الدول بما تملكه من إحتياطيات دولارية ، بقدر ما تتحلى قيادتها السياسية وصُناع القرار بها من “رشادة رد الفعل” حيال ما يجري حولها والعالم ، مع الحرص على توفير آليات القوة العسكرية الذاتية لحماية قرارها دون العويلوالبكاء وإستجداء مساعدة الآخرين..

فالسيادة ببساطة تعني أن الدولة هى صاحبة القرار النهائي فى شئونها وعدم الخضوع لقوي خارجية أياً كان حجمها والتعويل عليها لحمايتها وهو ما حققته “أم الدنيا” بالرشادة خلال السنوات الأخيرة ، لتنتقل حالياً إلى ما يسمى بمرحلة “الإستقلال الإستراتيجي” الذى تفتقر إليه دون مبالغة جميع دول إقليم الشرق الأوسط بما فيها دولة الكيان الصهيونى..

لتصبح مصر بهذا “الإستقلال الإستراتيجى” سيدة قرارها فى تحديد خياراتها وقراراتها المصيرية دون أن تكون رهينة لضغوط أو إملاءات خارجية ، فإنفتحت بقوة (عسكرياً وإقتصادياً وتكنولوجياً) نحو الصين وروسيا وقد يمتد الأمر لكوريا الشمالية وغيرها ، إلي جانب تطلعها  لرئاسة تجمع دول “البريكس” البالغ حجم تجارتها العالمية نحو 40 فى المائة ، ودون الدخول فى تحالفات و”مماحكات” مع قوي إقليمية قريبة أو بعيدة ، تُزيد من فاتورة إستنزافها وتؤدى بها إلى التوحل فى مصالح ذاتية لدول هذه التحالفات ، فلا أحد يخدم الآخر على حساب مصلحته الوطنية ، وما يفعله ترامب مع الخليج خير دليل ، والتاريخ يحكي..

فمخطىء مَنْ يظن أن التعلق بأستار القوي الكبري أوالدخول فى تحالفات مع غيرها سيحققالحماية السيادية ، فمهما قدم “الثرى الضعيف” ذاتياً من كنوز دولارية إلى “القوي الطامع” ، لن يحصل سوي على ما تسمح به المصلحة الوطنية للأخير حتى وإن تعلق الأمر “بتقنياتسادية”..

فحتي “التقنيات السيادية” للدول لا تباع أبداًبالمال وهذا ما فعلته فرنسا مع الإمارات عندما أخرجتها من برنامج رافال F5 وفَعْلت تمويله بمفردها ، حيث كانت الإمارات قد عرضت ما يصل إلى 3.5مليار يويرو مقابل حصة فى برنامج تحديث الرافال F5 التى تبلغ تكلفتها الإجمالية خمسة مليارات يورو ، علي أن تسمح لها بالوصول إلى “الصندوق الأسود” والملكية الفكرية المشتركة..

ورفضت فرنسا العرض الإماراتي السخى مفضلة حماية السيطرة السيادسة الكاملة على أنظمته الأكثر تقدماً !! فى إشارة واضحة إلى أن التكنولوجيا العسكرية من الطراز الأول تبقى خارج الحدود حتى مع أؤلئك الذين يظنون أنهم شركاء مقربين..

يأتي ذلك فى الوقت الذى أحدثت فيهالحرب الإيرانيةوزراعها الحوثي شروخاً فى جدار “التماسك” الإقليميالعربي ، ظهرت واضحة فى بعض ردود فعل الدوائر الخليجية القريبة من صُناع القرار (المحسوبة أو المنسوبة)لدرجة أوصلتهم عصبيتهم إلى التبجح بالإصطفاف إلى جانب العدو الإسرائيلي والكُفر بالقومية العروبية ..

وتناثرت فى الأفق صورُ مشوشة تحاول تصوير مصر خارج معادلة “الفعل العربي” بإلقاء اللوم عليها فى كل نازلة ، واصفةًالقاهرة بحسابات ضيقة تتجاهل حقيقة أن مصر القوية الرشيدة المتماسكة هى الركيزة التاريخية والمحورية لمنظومة الأمن القومي العربي..

وبدلاً من أن يلقى البعض اللوم على نفسه لأنه فتح أبوابه للوجود الخارجى بما جعله عُرضة للتهور والجنوح الإيراني،ألقاه على مصر دون أن يعى رشادتها ، وإستغرب البعض سبب تركيز إيران لضرباتها على الشقيقة الأردن التى إتضح أن بها ما يتراوح بين 4  إلى 60  من القواعد والمواقع والتمركزات العسكرية والإستخباراتية الأمريكية طبقاً لإتفاقية الدفاع المشترك مع واشنطن عام 2021..

لقد إختلطت الأمور فى أذهان البعض داخل الإقليم على وقع الضربات الإيرانية المتناثرة لأهداف أمريكية داخل بلادهم حتى كشفوا عن مكنون دواخلهم بالتغني للمشروع الإسرائيلي التوسعي الشرق أوسطي الجديد حتى وإن شكل ذلك إنتحاراً لعروبتهم..

ليقع هؤلاء بذلك فى شِراك الأهداف الخبيثة التى تبناها المشعلون الإسرائيليون لهذه الحرب فى جر المنطقة إلى الحرب وإحداث فتنة يتآكل معها هذا “التماسك” العربي الذى لم يعرف “تضامناً” منذ حرب أكتوبر المجيدة عام 73 ..

ونسى هؤلاء الغاضبون أن ما آلت إليه هذه الأوضاع فى بلدانهم وما حل بهم ، ما هو إلا نتيجة لعدم الرشادةعلى المدى القصير والطويل وإيلاء الثقة للطامعٍينالمُتنمرينٍ الذين لم يأتواإلى هذه الحرب سوي لمصلحتهم ولحماية دولة الكيان التى زرعوها بين ظهرانينالا للذود عنهم وحمايتهم وتحويلأراضيهمإلى “حضانات” للوجود الأجنبي ..

فالرشادة القيادية السياسية للدول دائماً ما تُجنب شعوبها البكاء والعويل على إنتهاك سيادة الأرض وصيانة العِرض ، واللجوء إلى توظيف ما تمتلكه الدول من قدرات ذاتية قد تكون عظيمة فى كثير من الأحيان دون الإرتكان على الآخرين الذين يقدمونمصالحهم الذاتيةعلى مَنْ سواهم لا يشغلهم عن ذلك شاغل..

وما كان هذا الجهد المصري العظيم للحفاظ على أمن وسيادة الوطن المصري ليحدث أبداً على هذا النحو ، إذا كان القرار المصريوصانعه رهينة فى أيدى هؤلاء المتنمرين المتربصين فى أمريكا والغرب من خلال قواعد عسكرية أو تسهيلات تنقص بدورها من سيادة الأرض المصرية..

فدائماً ما تؤتي الرشادة المصرية ثمارها حتي وإن تأخر إدراك الآخرين لمغزاها، إلى أن يستوعب المتربصون والغاضبون-على السواء- الأهداف والمرامي  المباشرة وغير المباشرة التي تكمن ورائها !! ..

( كاتب المقال د. محمد المنشاوي سياسي وأديب ، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الاوسط للشؤون الدولية والتعاون الدولي ، وكبير محرري شئون رئاسة الجمهورية سابقًا ، والحائز على جائزة “ملهم الدولية – وشخصية العام لسنة ٢٠٢٤ ” فى مجال الإعلام الهادف والتثقيف السياسي ” من منتدى رواد الأعمال العرب).

 اقرأ أيضا– د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: «الإستقلال الإستراتيجي» وجراحة «فك الإشتباك»..!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى