د.جيهان فؤاد تكتب لـ «30 يوم»: كيف نحمي أبناءنا من التضليل الرقمي
تخيل أن ابنك يجلس في غرفته، ممسكًا بهاتفه المحمول، يبدو هادئًا وآمنًا، لا يختلط بأشخاص غرباء، ولا يتجول في الشوارع، ولا يواجه أي خطر ظاهر. لكن في تلك اللحظة نفسها قد يكون معرضًا لعشرات الرسائل والأفكار والمعلومات التي تتسلل إلى عقله دون أن يشعر، فتؤثر على قناعاته وتصوراته وسلوكه وربما مستقبله كله.
في الماضي كان الآباء يخشون على أبنائهم من رفاق السوء في الشارع أو المدرسة، أما اليوم فقد أصبح “رفيق السوء” قادرًا على الوصول إلى غرفة النوم عبر شاشة صغيرة يحملها الأبناء في أيديهم طوال الوقت.
نحن نعيش عصرًا غير مسبوق في تاريخ البشرية. بضغطة زر يستطيع أي شخص أن يصل إلى ملايين البشر، وأن ينشر معلومة أو شائعة أو فكرة أو صورة أو مقطع فيديو في ثوانٍ معدودة. ولم يعد التحدي في الوصول إلى المعلومات، بل في معرفة أيها صحيح وأيها مضلل، وأيها صُمم خصيصًا للتأثير على العقول وتوجيهها.
والأخطر أن التضليل الرقمي لا يأتي دائمًا في صورة كذبة واضحة. فلو كان الأمر كذلك لاكتشفه الجميع بسهولة. لكنه غالبًا ما يرتدي ثوب الحقيقة، ويخلط بين الصحيح والخاطئ، ويعتمد على الإثارة والعاطفة أكثر من اعتماده على المنطق والعقل.
كم من شائعة انتشرت بسرعة البرق وأثارت الخوف أو الغضب قبل أن يتبين زيفها؟ وكم من مقطع فيديو جرى اجتزاؤه من سياقه فأعطى معنى مختلفًا تمامًا للحقيقة؟ وكم من صورة تم التلاعب بها أو استخدامها في غير زمانها ومكانها لإقناع الناس بأمر لم يحدث أصلًا؟
الأمر لم يعد مجرد أخبار كاذبة، بل أصبح صناعة متكاملة تستهدف التأثير على الرأي العام، وتوجيه الاهتمامات، وصناعة الانطباعات، وأحيانًا تغيير القيم والمفاهيم.
وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف نحمي أبناءنا؟
قد يظن البعض أن الحل هو المنع والمراقبة الدائمة، لكن التجارب أثبتت أن الحظر وحده لا يصنع وعيًا، وأن الرقابة مهما بلغت لن تستطيع ملاحقة كل ما يظهر على الشاشات. فالعالم الرقمي أكبر وأسرع من أن يُغلق بقرار أو يُحاصر بجدار.
الحماية الحقيقية تبدأ عندما نُحصّن العقول لا عندما نُقيد الأجهزة.
علينا أن نُعلم أبناءنا أن كل ما يُنشر ليس حقيقة، وأن عدد المشاهدات لا يعني الصدق، وأن الشهرة لا تعني المصداقية. فهناك من يتقن جذب الانتباه أكثر مما يتقن قول الحقيقة.
يجب أن نزرع فيهم عادة السؤال قبل التصديق: من قال هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل توجد جهة موثوقة تؤكدها؟ ولماذا تُنشر الآن؟ ومن المستفيد من انتشارها؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الإنسان إلى مجرد متلقٍ يصدق كل ما يراه ويسمعه. أما العقل الواعي فهو الذي يفكر ويحلل ويفحص قبل أن يقتنع أو يشارك الآخرين ما وصله.
ولأن الأسرة هي المدرسة الأولى، فإن الحوار مع الأبناء أصبح ضرورة لا رفاهية. فحين يشعر الابن أن أسرته تستمع إليه وتحترم أسئلته وتناقش أفكاره، يصبح أقل عرضة للبحث عن الإجابات في أماكن مجهولة. أما عندما يغيب الحوار، فإن المنصات الرقمية تملأ الفراغ وتصبح هي الموجه والمعلم والمرشد.
كما أن المدارس والجامعات مطالبة اليوم بدور يتجاوز المناهج التقليدية. فكما نعلم أبناءنا القراءة والكتابة، يجب أن نعلمهم كيف يقرأون العالم الرقمي، وكيف يميزون بين الخبر والرأي، وبين الحقيقة والدعاية، وبين المعلومة والتحريض.
ومن القضايا التي تستحق الانتباه أن الخوارزميات الرقمية لا تعرض لنا العالم كما هو، بل تعرض لنا ما تتوقع أننا نحب أن نراه. ومع الوقت يجد الشاب نفسه داخل دائرة مغلقة من الأفكار المتشابهة، فيظن أن الجميع يفكرون بالطريقة نفسها. وهنا تصبح الحاجة إلى تنوع مصادر المعرفة والانفتاح على الآراء المختلفة ضرورة لحماية التفكير من الانغلاق.
ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت المهمة أكثر تعقيدًا. فاليوم يمكن إنتاج صور وأصوات ومقاطع فيديو تبدو حقيقية إلى درجة مذهلة، بينما هي مصنوعة بالكامل. وقد يأتي يوم يصبح فيه الشك المنهجي والتحقق من المصادر مهارة أساسية مثل القراءة والكتابة تمامًا.
إن معركة الوعي لم تعد معركة نخبة أو مؤسسات متخصصة، بل أصبحت قضية تمس كل بيت وكل أسرة. فالأوطان لا تُستهدف فقط عبر حدودها، وإنما قد تُستهدف أيضًا عبر عقول أبنائها. والمجتمعات التي تمتلك مواطنين قادرين على التفكير والتحقق أقل عرضة للخداع وأكثر قدرة على مواجهة التحديات.
وفي النهاية، ربما لا نستطيع أن نمنع أبناءنا من دخول العالم الرقمي، ولا ينبغي لنا ذلك، فهو عالم يحمل فرصًا هائلة للتعلم والإبداع والتواصل. لكن ما نستطيع فعله هو أن نزودهم بالبوصلة التي تساعدهم على التمييز بين الاتجاه الصحيح والاتجاه الخاطئ.
ففي زمن تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، لم يعد السؤال: ماذا يعرف أبناؤنا؟
بل أصبح السؤال الأهم: كيف يفكر أبناؤنا فيما يعرفون؟
وهنا تبدأ الحماية الحقيقية، وهنا يُبنى الوعي، وهنا يُصنع المستقبل..
اقرأ أيضا– د.جيهان فؤاد تكتب لـ «30 يوم»: الذكاء الاصطناعي وذاكرة الأمم



