كُتّاب وآراء

د.جيهان فؤاد تكتب لـ «30 يوم»: الذكاء الاصطناعي وذاكرة الأمم

في كل عصر تظهر تقنية جديدة تثير المخاوف والأسئلة والجدل. حدث ذلك مع الطباعة، ثم مع الراديو والتلفزيون، ثم مع الإنترنت، وها هو الذكاء الاصطناعي اليوم يقف في قلب النقاش العالمي بوصفه أحد أكبر التحولات التي شهدتها البشرية منذ الثورة الصناعية. لكن اللافت أن كثيرًا من النقاشات الدائرة حوله تنطلق من سؤال واحد: كيف نمنعه؟ بينما السؤال الأهم هو: كيف نستفيد منه دون أن نفقد هويتنا وحقوقنا وذاكرتنا؟

أثار اتجاه شركات الذكاء الاصطناعي إلى رقمنة الكتب والمخطوطات الأصلية مخاوف مشروعة تتعلق بالملكية الفكرية، وحقوق المؤلفين، وإمكانية احتكار المعرفة أو توظيفها تجاريًا. غير أن الخطر الأكبر ربما لا يكمن في الرقمنة نفسها، بل في غيابنا عنها.

فالكتب والمخطوطات ليست مجرد أوراق محفوظة على أرفف المكتبات، بل هي ذاكرة الأمم وسجل خبراتها وتجاربها وإنجازاتها. ومع مرور الزمن تتعرض هذه الكنوز للتلف والفقدان، بينما تمنح الرقمنة فرصة استثنائية لحمايتها وإتاحتها للأجيال المقبلة. ومن ثم فإن المعركة الحقيقية ليست بين الورق والرقمنة، بل بين من يمتلك القدرة على حفظ المعرفة وإدارتها، ومن يتركها عرضة للضياع أو الاحتكار.

لقد دخل العالم عصر البيانات، وأصبحت المعرفة موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن النفط أو الغاز أو الممرات المائية. ومن يمتلك قواعد البيانات الكبرى، والأرشيفات الرقمية، والمحتوى الثقافي والمعرفي، يمتلك قدرة هائلة على التأثير في الوعي العام وصناعة السرديات التاريخية والثقافية. ولهذا لم تعد السيادة مفهومًا جغرافيًا فقط، بل أصبحت أيضًا سيادة معرفية ورقمية.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة لأن تبادر الدول إلى رقمنة تراثها ووثائقها ومخطوطاتها بنفسها، وأن تنشئ مستودعات وطنية آمنة تحفظ النسخ الرقمية الأصلية، وتضع الأطر القانونية التي تضمن حمايتها وتنظم استخدامها. فالمشكلة ليست في أن يمتلك العالم أدوات أكثر تطورًا للوصول إلى المعرفة، بل في أن نكتشف بعد سنوات أن تراثنا أصبح متاحًا للجميع إلا لأصحابه.

وفي المقابل، فإن النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره خصمًا للإنسان لا يخلو من قدر كبير من التبسيط. فالذكاء الاصطناعي لا يبتكر من فراغ، ولا يفكر خارج ما يتعلمه من إنتاج العقل البشري. إنه أداة متقدمة، وقد يكون شريكًا في التقدم أو وسيلة للتراجع، بحسب من يستخدمه وكيف يستخدمه.

التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تتأخر بسبب التكنولوجيا، بل بسبب الخوف منها أو سوء إدارتها. فالتقدم لا ينتظر المترددين، ولا يمنح فرصًا إضافية لمن يكتفي بالمشاهدة. وكل محاولة لعزل أنفسنا عن التحولات الكبرى لن تؤدي إلا إلى اتساع الفجوة بيننا وبين العالم.

إن القضية إذن ليست قضية ذكاء اصطناعي بقدر ما هي قضية وعي وإرادة. وبدلًا من الانشغال بمعركة خاسرة ضد المستقبل، ربما يكون الأجدر بنا أن نستعد له، وأن نؤمن بأن حماية التراث لا تعني تجميده، بل تعني نقله بأمان إلى الأجيال القادمة بأدوات عصرها.

ففي النهاية، لا يملك المستقبل من يملك التكنولوجيا فقط، بل من يملك الذاكرة أيضًا. ومن يحافظ على ذاكرته ويطور أدواته، لن يكون تابعًا في عالم الغد، بل شريكًا في صنعه.

اقرأ أيضا– د.جيهان فؤاد تكتب لـ «30 يوم»: رمانة الميزان التي لا يلتفت إليها أحد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى