حسن الخميس يكتب لـ«30 يوم»: حين يتحول الانتماء إلى «عقد» تلازم أصحابها عبر الزمن
لم يكن ظهور جمال فهمي في حلقة محل نقاش مع رشا نبيل على قناة «العربية»، التي جمعته مع مفكرين من مصر ولبنان والمغرب، الخاصة بدور أنور السادات في صناعة السلام مجرد نقاش تاريخي حول اتفاقية أو موقف سياسي.
فقد بدا لي أن الرجل ارتدى مجدداً «الزي الناصري» القديم، وتحدث من موقع المعارض للسادات، وكأن المسافة الزمنية التي تفصلنا عن تلك المرحلة لم تستطع أن تحدث أي مراجعة حقيقية في رؤيته أو في أدواته للحكم على الأحداث.
المشكلة هنا ليست في أن يكون جمال فهمي ناصرياً، أو أن يحتفظ برؤية نقدية للسادات، فهذا حق سياسي وفكري مشروع.
وإنما السؤال الأهم: هل تكفي مواقف الماضي وحدها للحكم على خيارات الحاضر؟ وهل ينبغي أن تظل الخصومة التاريخية ثابتة حتى عندما تتغير الظروف، وتتبدل المصالح، وتثبت الأيام أن بعض القرارات التي عارضها البعض كانت لها نتائج استراتيجية مختلفة عما توقعوه؟
بعد ما يقرب من نصف قرن على رحلة السادات إلى القدس، وعلى توقيع اتفاقية السلام المصرية ـ الإسرائيلية، يفترض أن تكون قراءة تلك المرحلة أكثر تحرراً من الحسابات الأيديولوجية القديمة. فمن حق الأجيال الجديدة أن تسأل: ماذا أعاد القرار إلى مصر؟ ماذا خسرته؟ وما الذي كان يمكن أن يحدث لو اختارت القاهرة طريقاً آخر؟ والأهم: هل يمكن تقييم القرار بعيداً عن صورة السادات التي تشكلت في الوعي الناصري منذ السبعينيات؟
ما بدا لي في حديث فهمي هو أن الموقف من السادات لا يزال، بالنسبة لبعض أبناء التيار الناصري، نقطة ثابتة لا تتحرك؛ وكأن الاعتراف بإيجابية واحدة في مشروع السادات قد يُفهم باعتباره تراجعاً عن الانتماء أو تنازلاً عن ثوابت المدرسة الناصرية.
وهنا تكمن أزمة أوسع من جمال فهمي نفسه، وهي أزمة تيار سياسي لم ينجح، في نظر كثيرين، في إجراء المراجعة الفكرية الضرورية مع مرور الزمن.
فالسياسة ليست متحفاً للمواقف، والأفكار التي صالحت مرحلة تاريخية معينة لا تصبح بالضرورة صالحة لكل المراحل. والدولة الحديثة لا تستطيع أن تدير مصالحها بمنطق الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، وإنما تحتاج إلى قراءة متجددة للعالم، وللتوازنات الإقليمية والدولية، ولمصالحها الاقتصادية والأمنية والسياسية
المشكلة حين يتحول المبدأ إلى عقيدة جامدة، وحين تصبح مراجعة الخطأ نوعاً من الخيانة للماضي، وحين يصبح الاعتراف بأن الخصم قد أصاب في بعض خياراته أمراً غير مقبول.
واللافت أن الزمن نفسه قدم نماذج مختلفة لأشخاص خرجوا من البيئة الفكرية والسياسية ذاتها، لكنهم تعاملوا مع الدولة والمصلحة العامة بقدر أكبر من المرونة.
وهنا يمكن الإشارة إلى ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام، الذي ينتمي إلى الخلفية الناصرية ذاتها، لكنه استطاع أن ينتقل من موقع المثقف والكاتب والسياسي إلى أدوار مؤسسية ناجحة داخل الدولة، وأن يتعامل مع تعقيدات المشهد الإعلامي والسياسي المصري بأدوات أكثر براغماتية ومرونة.
هنا رشوان يقدم مثالاً على أن الانتماء الفكري لا يجب أن يكون سجناً زمنياً، وأن الإنسان يستطيع الاحتفاظ بجذوره الفكرية مع إعادة قراءة أدواته ومواقفه بما يتناسب مع متطلبات الدولة والمرحلة.
أما استمرار بعض رموز التيار الناصري في تكرار الخطاب ذاته، وبالأدوات ذاتها، وبالخصومات ذاتها، فيعطي انطباعاً بأن الزمن توقف عند لحظة تاريخية معينة. وكأننا نستدعيهم من «رفوف الذاكرة» كلما عاد الحديث عن جمال عبدالناصر أو السادات، فنجد الموقف نفسه تقريباً، والنبرة نفسها، والخصومة نفسها، رغم أن العالم والمنطقة ومصر نفسها تغيرت بصورة جذرية.
وهنا ربما يكون السؤال الأهم: ماذا قدمت الناصرية السياسية المعاصرة لمصر خلال العقود الأخيرة؟
إذا كان التيار يريد أن يظل حاضراً في الحياة العامة، فلا يكفي أن يعيش على رصيد عبدالناصر التاريخي، ولا أن يستعيد خلافاته مع السادات في كل مناسبة. التيار السياسي الحي هو الذي يستطيع أن يقدم إجابات جديدة عن أسئلة جديدة، وأن يضع مصلحة الدولة فوق اعتبارات الخصومة التاريخية.
لقد تغيرت مصر، وتغير الإقليم، وتغيرت طبيعة الدولة والاقتصاد والإعلام والعلاقات الدولية. ولم تعد الشعارات القديمة وحدها قادرة على تقديم حلول لمشكلات معقدة مثل الأمن القومي، والتنمية، والاستثمار، والتكنولوجيا، والعلاقات الدولية، والتحولات الاجتماعية.
ومن هنا فإن تراجع التيار الناصري في المشهد السياسي المصري لا يمكن تفسيره فقط بالظروف السياسية أو بغياب التنظيم؛ بل يمكن النظر إليه أيضاً باعتباره نتيجة لأزمة في تجديد الخطاب وإعادة إنتاج الأفكار. فالتيار الذي لا يراجع نفسه، ولا يعترف بإمكان الخطأ، ولا يسمح للزمن بأن يختبر أفكاره، معرض لأن يتحول من تيار سياسي فاعل إلى ذاكرة سياسية.
والأخطر أن يتحول الحفاظ على الهوية إلى الحفاظ على الخصومة.
فليس المطلوب من الناصري أن يتخلى عن عبدالناصر، ولا أن يتحول إلى مؤيد للسادات، وإنما المطلوب أن يكون قادراً على الفصل بين الوفاء للتاريخ والوقوع أسيراً له. وأن يستطيع أن يقول إن عبدالناصر أصاب وأخطأ، وإن السادات أصاب وأخطأ، وإن معيار الحكم في النهاية يجب أن يكون مصلحة مصر وشعبها، لا اسم الرئيس ولا الانتماء إلى المدرسة السياسية التي يمثلها.
وفي تقديري، هذه هي المسألة التي كشفتها حلقة جمال فهمي أكثر مما كشفت خلافاً حول السادات: هل ما زال جزء من الخطاب الناصري يعيش بعقلية الصراع القديم، بينما تحاول الدولة المصرية أن تتعامل مع عالم جديد تماماً؟
قد يكون من المشروع أن تختلف مع السادات، لكن من غير المشروع فكرياً أن تجعل الاختلاف معه موقفاً أبدياً لا يخضع للمراجعة.
وقد يكون من حقك أن تحافظ على قناعاتك، لكن ليس من حق أي تيار سياسي أن يطالب الدولة والمجتمع بأن يتوقفا عند الزمن الذي نشأت فيه تلك القناعات.
فالسياسة التي لا تتطور تتحول إلى ذكرى، والتيار الذي لا يجدد أفكاره يتحول إلى أرشيف، والسياسي الذي يظل أسير خصومات الأمس قد يجد نفسه يتحدث إلى حاضر لم يعد موجوداً.
وهنا تحديداً يمكن فهم المشهد الذي ظهر فيه جمال فهمي: رجل يحمل ذاكرة سياسية عمرها أكثر من خمسين عاماً، لكنه بدا وكأنه لم يغادرها بعد، بينما غادرها الزمن من حوله.


