الإعلامية الجزائرية د.كريمة الشامي تكتب لـ «30 يوم»: حين يعجز العقل عن التقبّل
تتجلّى بعض الاضطرابات النفسية في صورة مقاومة شديدة لفكرة الفقدان أو الانفصال. فالإنسان، عندما يواجه خسارة عاطفية أو اجتماعية، قد يجد نفسه أمام صراع داخلي بين وعيه الذي يُدرك الحقيقة، ولاوعيه الذي يرفضها.
هذا التمزّق يولّد سلوكيات غير متوازنة، أبرزها التشويه، أو الإسقاط، أو محاولة إلحاق الألم بالآخر كتعويض غير واعٍ عن الألم الشخصي.
من الناحية العلمية، يفسّر علم النفس هذه المظاهر بوصفها آليات دفاعية (Defense Mechanisms) تنشط عندما يعجز الفرد عن احتواء مشاعره.
فالعقل يختار مسارًا أسهل.. بدلاً من الاعتراف بالجرح ومعالجته، يبحث عن هدف خارجي يُسقط عليه كل توتره الداخلي.
وهكذا يصبح الآخر مرآة لصراعٍ داخلي لم يُحسم بعد.
لكن الحقيقة، مهما طُمست بالكلمات، تبقى واضحة في العمق.. يدرك الفرد في أعماقه أنه لم يتحرر بعد من الماضي، وأن كل سلوك هجومي ليس إلا انعكاسًا لعجزه عن ملء الفراغ.
هنا يُدرك الباحثون أن الشفاء لا يتحقق بالهجوم، بل بخلق حياة جديدة غنية بالمعنى، تُشبع الاحتياجات العاطفية والذهنية.
يقول كارل يونغ: “ما لا نواجهه في داخلنا، سيعود إلينا على شكل قدرٍ من الخارج.
ويقول فرويد: “الإنسان ليس حُرًّا تمامًا في مشاعره، بل هو أسير لما لم يعِه بعد”.
قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10].
وقال النبي صلّ الله عليهه وسلم: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.”
التساؤل المشروع هو: متى يتوقف الإنسان عن هذه الحلقة المفرغة؟ الجواب العلمي بسيط لكنه عميق؛ يتوقف عندما يجد ما يملأ حياته، ويعيد التوازن لنفسه.
حينها فقط، يصبح الماضي ذكرى، لا قيدًا يجرّ صاحبه إلى هدر طاقته في تشويه الآخرين.
إنّ العذر الذي نلتمسه لمثل هؤلاء ليس قبول أفعالهم، بل فهم أن ما يظهر على السطح من أكاذيب أو إساءات يخفي خلفه معاناة صامتة تأكل من الداخل أكثر مما تؤذي الخارج….
كاتبة المقال .. الإعلامية الدكتورة كريمة الشامي الجزائري … بروفيسورة في علم النفس – هيوستن.. الولايات المتحدة الأمريكية


