د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: هل كان المفروض أبقى سيدة أعمال؟
سؤال لم أتخيل يومًا أن أسأله لنفسي.
أنا أستاذة جامعة. قضيت أكثر من خمسة وعشرين عامًا بين الكتب والبحوث والرسائل العلمية. كنت أظن أنني أعرف ماذا أريد من الحياة. لم أكن من هواة الخروج ولا السهر ولا العلاقات الاجتماعية الكثيرة. حتى زياراتي لأهلي كنت أقننها. أقول لنفسي: “بعد ما أنجز الفصل ده”، “بعد ما أخلص البحث ده”، “بعد الماجستير:, بعد الدكتوراة, طيب بعد الإستاذية, بعد الترقية”., بعد… بعد….حتى مرت الحياة نفسها من أمامي تجري ولم ألحق بها,,,
وكان الحلم واضحًا أمامي: الأستاذية.
كنت أتصور أن الوصول إليها سيجعلني أشعر أن كل هذه السنوات لم تذهب هباءً.
وحين وصلت إليها فعلًا، اكتشفت أن زيادة المرتب كانت أقل من أن أشعر بها، ثم جاءت الضرائب لتأخذ أكثر مما أعطت الزيادة!
ضحكت يومها.ليس لأن الأمر مضحك، بل لأن البكاء لم يكن سيغير شيئًا. ولأن شر البلية ما يضحك.
عدت إلى بيتي الذي ينتظر دفع إالإيجار ، وجلست أحسب كعادتي: إيجار، كهرباء، مياه، غاز، إنترنت، موبايلات، مواصلات، دروس، جامعة، التزامات لا تنتهي.يانهاري! ماذا فعلت الإستاذية إذن؟
ضحكت تاني , وقلت: الصيت ولا الغنى
ثم نظرت حولي.
وجدت فتاة صغيرة فتحت مشروعًا لم أكن أتخيل أنه يمكن أن يغير حياة إنسان، لكنه غيّر حياتها بالكامل خلال سنوات قليلة
وشاب صغير دخل التجارة، وآخر عمل في السمسرة، وتغيرت حياتهما بالكامل.والجزار الي على نصيتنا اشترى عمارة كاملة. وأنا عماله اقول ألف مبرووك
أما أنا فما زلت أركب الميكروباص في طريقي إلى الجامعة.
ولأول مرة في حياتي سألت نفسي سؤالًا أخجل من الاعتراف به:هل كنت غبية؟
هل كان يجب أن أقضي نصف الوقت الذي قضيته مع الكتب في تعلم التجارة؟
هل كنت مخطئة حين ظننت أن العلم وحده يكفي؟
لا أملك إجابة قاطعة.
كل ما أعرفه أنني لا أندم على المعرفة، ولا أندم على طلابي، ولا على صديقاتي, ولا أندم على كتبي أو أبحاثي
لكنني أحيانًا أحزن. ومن حقي أن أحزن.
أحزن لأن المجتمع الذي يصفق للعلم في الخطب، لا يعرف كيف يكافئه في الواقع.
وأحزن لأن كثيرين من أساتذة الجامعات الذين أفنوا أعمارهم في التعليم يعيشون اليوم الحيرة نفسها، لكنهم لا يقولونها بصوت مرتفع.
ومع ذلك، حين أسأل نفسي: لو عاد بي الزمن، هل كنت سأترك الكتاب؟
أصمت قليلًا.حتى أعجز عن الإجابة.ربما لا أعرف.
أعرف فقط أنني أحببت ما فعلت،وأعرف أيضًا أنني دفعت ثمنًا لم أكن أراه وأنا أدفعه, وأن الحياة لا تنتظر أحدًا, وأن العمر لا يقف على الرصيف حتى ننتهي من أحلامنا.
ربما لو عاد بي الزمن لكنت أكثر حرصًا على نفسي، وأكثر قربًا من أهلي، وأكثر اهتمامًا ببناء أمان مادي يحميني ويحمي أسرتي.
كنت سأقرأ الكتب نفسها تقريبًا، لكنني كنت سأتعلم أيضًا كيف أعيش خارجها.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا فقط:
أنني طوال عمري كنت أستعد للحياة…
ثم اكتشفت أن هذا كان هو العمر نفسه.
اقرأ أيضا
د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: هل أصبح بيت العائلة سجنًا أخلاقيًا بحسن نية؟




