الإعلامية الجزائرية د.كريمة الشامي تكتب لـ «30 يوم»: من قلب الغربة… سلام على الجزائر التي تحترق أشجارها ولا تنحني جذورها
في الغربة نتعلّم أن الوطن ليس عنواناً مكتوباً في جواز السفر، ولا أرضاً نغادرها ثم ننساها؛ الوطن حبلٌ سريّ لا تقطعه المسافات، ونبضٌ خفيّ يشتدّ كلما مسّ بلادنا وجع.
واليوم، وأنا أتابع من بعيد ألسنة النار تلتهم غابات الجزائر، وأرى الدخان يصعد من جيجل وبجاية وتيزي وزو وغيرها من ولايات الوطن، أشعر أن المسافة بيني وبين بلادي قد اختفت، وأن شيئاً في داخلي يحترق مع كل شجرة، وكل بيت، وكل عائلة فقدت عزيزاً أو مأوى أو رزقاً.
اثنا عشر جزائرياً رحلوا في يوم واحد…
اثنا عشر اسماً تركوا خلفهم أمهات مفجوعات، وأطفالاً ينتظرون عودة لن تأتي، وبيوتاً سيبقى الصمت فيها أطول من كل الكلمات.
رحم الله ضحايا الحرائق، وشفى المصابين، وربط على قلوب أهلهم، وعوّض كل من فقد بيته أو أرضه أو مصدر رزقه.
لكن وسط هذا المصاب الجلل، ظهرت الجزائر التي نعرفها ونؤمن بها: جزائر الرجال والنساء الذين لا يسألون المنكوب عن منطقته أو لهجته أو أصله قبل أن يمدّوا إليه أيديهم.
شاهدنا أبناء الشعب يفتحون بيوتهم للنازحين، ويحملون الماء والطعام والدواء، ويقفون إلى جانب رجال الحماية المدنية والجيش الوطني الشعبي، الذين واجهوا النار بأجسادهم، وسابقوا اللهب لإنقاذ الأرواح والأرض.
ذلك هو الوجه الحقيقي للجزائر.
الجزائر ليست منشوراً عابراً ولا شعاراً نردده في المناسبات؛ الجزائر عهدٌ ورثناه عن الشهداء، ومسؤولية أخلاقية نحملها أينما كنا. نحن أبناء وطن لم تُمنح له الحرية هدية، بل افتداها الرجال والنساء بالدم والدمع والعمر.
ومن موقعي كأكاديمية وإعلامية جزائرية مقيمة في الخارج، أقول إن دور الجالية اليوم لا ينبغي أن يقتصر على الحزن والمشاهدة.. واجبنا أن نتحرك، وأن نتكاتف، وأن نبحث عن قنوات موثوقة لإيصال المساعدة إلى العائلات المتضررة، وأن نجعل من وجودنا خارج الوطن قوةً تسند الجزائر، لا مجرد حنين يكتفي بالكلمات.
نحن لا نقيم خارج الجزائر لنبتعد عنها؛ نحن امتدادها في العالم، وصوتها حين تحتاج إلى من يتحدث باسم ألمها وكرامتها.
حاولوا مراراً أن يزرعوا بيننا الفتنة، وأن يقسمونا إلى مناطق ولهجات وانتماءات، وأن يجعلوا الجزائري يرى أخاه خصماً؛ لكن النار، على قسوتها، كشفت مرة أخرى أن ما يجمعنا أقوى مما يفرّقنا.
حين تصاب جيجل، تتألم وهران.
وحين تبكي بجاية، تحزن تلمسان.
وحين تستغيث تيزي وزو، تهبّ لها قسنطينة وعنابة وسطيف والجزائر العاصمة، ويهبّ معها كل جزائري في المهجر.
فلا تسمحوا لأحد أن يحوّل هذه المأساة إلى سوق للإشاعات أو منصة للكراهية وتصفية الحسابات. في وقت الحرائق، الكلمة مسؤولية، والصورة أمانة، والخبر الكاذب قد يربك عملية إنقاذ أو يضاعف وجع عائلة منكوبة.
من أراد الخير للجزائر فليساعدها، ومن أحبها فليجمع أبناءها، ومن عجز عن تقديم شيء فليدعُ لها ويلزم الصدق.
أما الخونة، وتجار الفتنة، والمتربصون بوحدة بلادنا، فسيبقون مجرد عابرين على هامش التاريخ؛ لأن الجزائر التي انتصرت على الاستعمار بدماء أبنائها لن تهزمها نار، ولن تكسرها إشاعة، ولن يقتلع جذورها حاقد.
قد تحترق الشجرة، لكن الجذر الجزائري لا يموت.
وقد يسقط البيت، لكن سواعد الجزائريين ستعيد بناءه.
وقد يثقل الحزن قلوبنا، لكننا سننهض من بين الرماد أقوى، وأكثر اتحاداً، وأشد تمسكاً بهذه الأرض المباركة.
إلى رجال الحماية المدنية والجيش، وإلى الأطباء والممرضين والمتطوعين، وإلى كل يدٍ حملت قارورة ماء، وكل بيتٍ فتح بابه، وكل قلبٍ دعا للجزائر: أنتم اليوم شرف هذا الوطن ووجهه الجميل.
وإلى أهلنا المنكوبين: لستم وحدكم. نحن معكم بقلوبنا وأصواتنا، وسنسعى لأن نكون معكم بأفعالنا ومساعداتنا. وجعكم وجعنا، وخسارتكم خسارتنا، والجزائر بيتنا جميعاً.
ألف سلام على بلدي وموطني…
ألف سلام على ترابٍ رُوي بدماء الشهداء…
ألف سلام على شعبٍ قد يتعب، لكنه لا ينكسر…
وألف رحمة ونور على أرواح الذين رحلوا في هذه الحرائق.
ستُخمد النيران، وستعود الغابات خضراء، وستنهض القرى من رمادها، وستبقى الجزائر شامخة بأبنائها، حرّةً مستقلةً، عصيّةً على الفتنة والانكسار.
عاشت الجزائر حرّةً مستقلة…
وستعود الجزائر أقوى مما كانت، لأن خلفها شعباً إذا نادى الوطن، لبّى النداء.
د. كريمة الشامي الجزائري.. جزائرية القلب… أمريكية الجنسية… والوطن يسكنني أينما كنت…
كاتبة المقال .. الإعلامية الدكتورة كريمة الشامي الجزائري … بروفيسورة في علم النفس – هيوستن.. الولايات المتحدة الأمريكية
اقرأ أيضا– الإعلامية الجزائرية د.كريمة الشامي تكتب لـ «30 يوم»: الجزائر تحترق… وقلوبنا تحترق معها




