د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: العنف اللفظي.. نحو فلسفة علاجية لإعادة بناء الذات
ليس العنف دائمًا ضجيجًا أو صراخًا أو أثرًا ماديًا يمكن رؤيته. أحيانًا، يكون أخفّ من ذلك وأكثر خبثًا: جملة عابرة، سخرية نصف جادّة، تعليق يبدو كأنه مزحة، لكنه يترك في الداخل أثرًا لا يزول بسهولة أو قد لا يزول أبدًا….. هكذا يعمل العنف اللفظي؛ لا يقتحم الجسد، بل يتسلل إلى المعنى الذي نبني به أنفسنا عن أنفسنا.
في الحياة اليومية، لا نقف كثيرًا أمام اللغة بوصفها قوة. نعاملها كأنها مجرد وسيلة للتواصل، بينما هي في الواقع أداة دقيقة لإعادة تشكيل الوعي. كلمة واحدة قد ترفع إنسانًا في عيني نفسه، وأخرى قد تدفعه إلى مراجعة ذاته بلا نهاية. وهنا تحديدًا يبدأ العنف الرمزي: حين تتحول اللغة من جسر بين الأشخاص إلى سلطة سامة خفية تُعيد توزيع القيمة بينهم.
الأخطر في العنف اللفظي أنه لا يُعلن نفسه. فهو لا يأتي في صورة اعتداء مباشر، بل في هيئة “رأي”، أو “دعابة”، أو “ملاحظة قاسية”. لكنه يعمل ببطء، مثل ماء فاسد يتسرب إلى أرض صلبة، حتى يغيّر بنيتها دون أن يُرى. ومع الوقت، لا يعود الأثر متعلقًا بما قيل فقط، بل بما يحدث داخل المتلقي: ذلك الحوار الصامت الذي يبدأ في الداخل، حيث يحاول الإنسان أن يفهم: هل المشكلة في ما قيل؟ أم في ذاته هو؟, ولماذا حدث ذلك, وما المبررلذلك؟.
هنا يتشكل ما يمكن تسميته بـ”الرد الفعل الدائم”. يصبح الفرد مشغولًا لا بالفعل الذي يعيشه، بل بردّه المحتمل على ما يُقال عنه. وكأن حياته تتحول تدريجيًا إلى مساحة دفاع مستمر، لا مساحة حضور. وهذه إحدى أكثر نتائج العنف اللفظي خفاءً: أنه لا يؤلم فقط، بل يعيد ترتيب الزمن الداخلي للإنسان، بحيث يصبح الماضي القريب حاضرًا دائمًا، يطلب تفسيرًا أو تصحيحًا, جرحًا مازال ينزف رغم مرور الزمن.
لكن ما الذي يعنيه أن نتعافى من هذا الشكل من العنف؟
ربما لا يبدأ التعافي من الخارج، بل من إعادة النظر في العلاقة بين الذات والكلمة. فليست كل جملة تصفنا هي حقيقة عنا، وليست كل نبرة حكمًا نهائيًا على وجودنا. هناك مسافة يجب استعادتها بين ما يُقال وما نكونه، وتلك مسافة هي التي تحفظ للذات حريتها.
الفلسفة هنا لا تقدم حلًا سريعًا، بل تقدم نوعًا من التهدئة المعرفية: أن نفهم أن اللغة ليست مرآة محايدة، بل مجال صراع خفي على المعنى. وأن ما يبدو أحيانًا حكمًا على الإنسان، قد لا يكون إلا انعكاسًا لتوترات قائلِه هو، لا لحقيقة من يتلقى القول.
من هذا المنظور، يصبح العلاج أقرب إلى إعادة بناء الداخل بهدوء: ألا نسمح لكل خطاب خارجي أن يتحول إلى محكمة داخلية، وألا نختزل أنفسنا في صورة رسمها الآخر في لحظة انفعال أو تفوق أو غيرة أو عجز.
في النهاية، لا يُقاس النضج النفسي بقدرتنا على الرد، بل بقدرتنا على ألا نفقد مركزنا الداخلي كلما تحركت اللغة من حولنا. فكلما خفّت سلطة الكلمات علينا، اتسعت قدرتنا على أن نكون أنفسنا، لا مجرد ردود فعل على ما يُقال..
أحيانًا لا يكون الشفاء في الرد، ولا في الانتصار، ولا حتى في الفهم الكامل لما حدث.
بل في لحظة صامتة يدرك فيها الإنسان أنه لم يعد مضطرًا لأن يثبت نفسه أمام كل صوت.
هناك نقطة دقيقة يتحول فيها الألم من “حدث يقع علينا” إلى “لغة نسكنها”، ثم ببطء نستطيع أن نغادرها دون ضجيج. لا لأننا نسينا، بل لأننا توقفنا عن منحها سلطة التعريف.
ليس المطلوب أن نصبح أقسى، ولا أن نغلق قلوبنا.
بل أن نصبح أكثر ثباتًا من أن تهزّنا كل جملة، وأوسع من أن تختزلنا أي نظرة.
اقرأ أيضا
د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: فتاة الإسكندرية.. حين يتحول الألم الصامت إلى سقوط أخير




