فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: ماسبيرو.. عودة الابن الضال
على ضفة نهر النيل بالقاهرة يقبع أحد أكبر الرموز الاعلامية في مصر والعالم العربي بأكمله، مبني ماسبيرو، مبني الاذاعة والتليفزيون والذي سمي بهذا الاسم نسبة إلى جوستون ماسبيرو، عالم المصريات الفرنسي ومدير مصلحة الآثار المصرية وعموم متاحف مصر سابقا في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني والذي جاء إلى مصر دارسا وعاشقا للآثار المصرية واستقر في العيش فوق عوامة على حافة النيل.
يعد هذا المبني انطلاقة أقدم تليفزيون حكومي في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا ومن خلاله تشكل وجدان وثقافة وفكر أجيال عدة وكان بمثابة وجهة ونافذة تنويرية للبسطاء من غير القادرين على القراءة.
ترجع الأزمة المالية التي واجهها المبني لثمانينيات القرن الماضي حيث بدأت بمديونية صغيرة وصلت، بعد أن تراكمت الفوائد المركبة والغرامات لمديونية ضخمة بلغت حوالي ١٤٠ مليار جنيه مصري لصالح بنك الاستثمار القومي، إلى أن جاءت انفراجة تاريخية لهذه الأزمة حيث تمت تسوية المديونيات على المبني وتصفير ديون ماسبيرو بالكامل ورفع الرهن عن أسهم ماسبيرو في مدينة الانتاج الاعلامي والنايل سات.
مبني ماسبيرو، مبني الاعلام الرسمي والحكومي للدولة والذي دخل في منافسة شرسة مع القنوات الفضائية الخاصة، وهى منافسة غير عادلة اطلاقا، حيث دخلها المبني وهو في حالة هزال واعياء كامل نتيجة تراكم الديون والدخول في دائرة مفرغة بهدف محاولة تغطية مصاريف التشغيل، من أجور موظفين ومعاشات ومصاريف انتاج، لتحسم المنافسة لصالح الاعلام الخاص ويخرج منها الاعلام المصري مهزوما محسورا، لذا جاءت هذه الصفقة كبارقة أمل لعودة الروح لهذا الجسد المثقل.
كان لهذا الصرح دوما، منذ نشأته، الريادة والدور الفعال في تشكيل الثقافة ونشر الوعي المجتمعي وترسيخ القيم وتوضيحها خاصة كما قلنا لغير مجيدي القراءة من البسطاء، فمن من أجدادنا لم يكن يستمع لبرامج اذاعية مثل، قال الفيلسوف، كلمتين وبس، إلى ربات البيوت، بل وإن الكثير لم يكن يتحرك إلى وجهته قبل أن يستمع صباحا إلى برنامج طريق السلامة الذي كانت تقدمه الاعلامية الشهيرة آيات الحمصاني والذي كان يقدم نصائح مرورية وارشادية للسائقين والمارة بأسلوب سلس وصوت دافئ، من منا لا يذكر برامج مثل عالم الحيوان، جولة الكاميرا، خواطر الشيخ الشعراوي ونادي السينما في سهرة السبت، والذي كان نافذة رقيقة تأخذك في هدوء ورشاقة في سهرة مع أحد أفلام السينما العالمية المتميزة يعقبه مناقشة راقية ومثقفة وهادئة للفيلم بجميع جوانبه سواءا سياسية أو اجتماعية أو فنية يشعر بعدها عقلك أنه تناول وجبة ثقافية دسمة، من منا لا يذكر العلم والايمان، برنامج كل العصور وصوت المفكر، دكتور مصطفي محمود وذلك المزج الساحر بين العلم بتفاصيله الدقيقة والقدرة الإلهية وعظمة الخالق، بأسلوب سلس وشيق لا يصعب حتى على البسطاء فهمه، برنامج زيارة لمكتبة فلان وجولة في المحراب الثقافي الخاص لأحد كبار الكتاب والمثقفين، اذاعة القرآن الكريم والقراءات الخالدة والأصوات المخملية لكبار شيوخ التلاوة وبرامج التفاسير والافتاء الموثوقة والمعتمدة، العديد والعديد من البرامج الاذاعية المسموعة والتليفزيونية المرئية التي كان يستند إليها المواطن ويركن إليها في ثقة ويعتبرها مرجعية أمينة لما يجهل ومرشدا تنويريا لكل ما يخفي عنه، لم يغفل الاعلام الجميل بقامته الشامخة الجانب الترفيهي فقدم المسلسلات والأفلام والسهرات والبرامج المختلفة والهادفة والتي كان يغلفها طابع كوميدي خفيف، دون اسفاف أو ابتذال، نهي بها المشاهد أعباء يومه وتكون حصيلته الترويحية التي يواجه بها أعباء يوم جديد، مسلسلات مثل، عائلة شلش، البخيل وأنا، حكاية ميزو ولا ننسي الحقبة الذهبية مع أفلامنا التليفزيونية برسائلها عميقة المحتوي، سهلة الفهم مثل فوزية البرجوازية، محاكمة على بابا، أنا لا أكذب ولكني أتجمل، الأسطي المدير، حد السيف، مسلسلات ومواد اعلامية كانت تجتمع الأسرة في دفء لمشاهدتها ومناقشة أحداثها والتعليق عليها بسعادة واستمتاع دون خجل أو استحياء.
الإعلام أحد أسلحة القوة الناعمة للدولة على مر العصور وله الدور الأكبر في تشكيل الوعي وترسيخ القيم والحفاظ على الهوية، وبلا شك أن ازاحة هذا العبء المادي الكبير عن كاهل ماسبيرو سيسهم بشكل كبير ومؤثر في مراجعة الأولويات لتهيئة الفرصة للتركيز على العودة للمنافسة وتصدر الواجهة بانتاج برامج قوية واختيار محتوي هادف والتركيز على القضايا الكبري والتحديات التي يواجهها مجتمعنا في الوقت الراهن ومحاولة اعادة تشكيل الوعي ومواجهة الشائعات الهدامة في جميع مناحي الحياة وخاصة مع انتشار وسائل التواصل الأخري وتوافرها بسهولة دون رقابة أو سيطرة وانصراف المشاهد عن الاعلام الرسمي بقنواته المختلفة واتجاهه للقنوات الخاصة ببرامجه المدفوعة والساعات المبيعة لغرض خاص.
تاريخ طويل شهده هذا الصرح العظيم منذ أن انطلق البث الرسمي الأول منه في ٢١ يوليو عام ١٩٦١، تاريخ كان دوما شاهدا على ريادة هذه الدولة ودورها القائد في تشكيل وعي أمة عربية بأكملها، تاريخ يجبرنا أن ننحني احتراما ونراجع أنفسنا ليعود اعلامنا بقوة كخط دفاع أول واضح ورسمي ضد المغرضين وأصحاب النوايا الخبيئة والخبيثة والأهداف الشخصية.
لن أخفي سعادتي باسدال الستار على هذه الأزمة وعودة المبني وازاحة هذا العبء عن كاهل ماسبيرو ولكن لن تكتمل سعادتي إلا بوضع خطة لمرحلة انتقالية كاملة للاعلام الوطني برمته والبدء في تنفيذها في أسرع وقت لتحديث الاعلام الرسمي للدولة والعمل على استعادة أحد أذرع قوتنا الناعمة لتشكيلها لمواجهة مخاطر كثيرة ومفاهيم دخيلة مفروضة من جهات أخري والعمل على تحسين جودة الأداء دون الانشغال والتشتت بالأعباء المالية الضاغطة.
أناشد الاعلامي القدير أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للاعلام، التشمير عن ساعديه والنهوض فورا للعمل والاستعانة بخبرات أبناء المبني وكبار الاعلاميين والمثقفين ليشهد العام الجديد اعادة انطلاقة واستعادة للريادة والقمة وتصدر الواجهة والعودة للريادة الانتاجية من برامج ومسلسلات متميزة وأفلام تليفزيونية هادفة وليفتح لنا نافذة نطل من خلالها على جواهر اعلامية نفيسة تغطت بالتراب لتكون رسالتنا الاعلامية للعالم في مطلع العام الجديد رسالة عملية أن يفرق الغث من السمين.
موضوعات ذات صلة
فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: وكل عام وأنتم بخير
فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: حادث الاسماعيلية.. لا عزاء للطفولة



