الإعلامي حمدي رزق يكتب: حرمًا يا حاج
« فى الحج.. أغلى ما قد يكلّفك ليس البرنامج، بل أن تكتشف متأخرًا أنك لم تُحسن الاختيار».
أعلاه عبارة تشويقية تسويقية وردت فى إعلان ترويجى عن رحلة حج خمس نجوم، لم تُفصح الشركة المنظمة عن أسعارها، «سيتواصل معك أحد مستشارينا لشرح تفاصيل البرامج والإجابة عن جميع استفساراتك»..
استغفر الله قبل هذه السطور وبعدها، فى دولة اقتصادها يعانى الأمرين، ويعتمد فقه الأولويات، تخرج علينا مثل هذه الإعلانات المستفزة، حج خمس نجوم، ومخيمات VIP فى عرفة، وخدمة النقل الترددى لتيسير التنقل بين مقر الإقامة ومكان رمى الجمرات، وإقامة على ساحة الحرم تمنحك مزيدًا من القرب من المسجد الحرام، وصحبة من علماء الأزهر الشريف يرافقونك طوال الرحلة، للإجابة عن استفساراتك وإرشادك فى أداء المناسك.
مثل هذه الإعلانات المستفزة بشأن فريضة تشترط الاستطاعة، تستنفر حنق الطيبين، أنهم يسلعون فريضة الحج، وينجمونها، باتت ما بين نجمة وخمس نجوم، ويقال هناك حج 7 نجوم، حج مريح ناعم مكيّف، يجاوز الحكمة المستبطنة فى الفريضة، تربية النفس على الصبر، وجهاد الهوى، وخلع رداء الدنيا وارتداء لباس الإحرام.
ترددت من الترددى، الخوض فى بدعة حج الـVIP، وكلفته المليونية، أخشى أن يخرج علينا أحدهم فاغرا فاه، يلومنا ويشكك فى إيماننا، ولسان حاله الطويل هى جت ع الحج يا حاج، أليس شرط الاستطاعة متحققًا فى حج الخمس نجوم، ناس معاها فلوس، وحقها تحج بالطريقة التى تراها مناسبة ماديًا وصحيًا، وكما يصيفون فى الساحل، لماذا تقفون لهم على فريضة الحج، دعهم يحجون، حتى الحج واقف فى زوركم؟!
الأمر يختلف أيها السادة لمن يفقه، فالساحل سياحة داخلية زيتنا فى دقيقنا، فلوسنا منا وإلينا، بل تزيد من استقبال الأجانب أصحاب العملة الصعبة، بخلاف نسك الحج والعمرة لمن سبق له أداء الواجب فيهما، فإنه يساهم فى إضعاف الجنيه أمام العملة الصعبة، والجنيه المصرى هو عملة المصريين فقيرهم قبل غنيهم، فمن سعى إلى حماية الجنيه المصرى كان نصيرًا للفقراء.
لن يرهبنا العاملون عليها، على رحلات الحج السياحى، الخمس نجوم، وأرباحها التى لا تُعد ولا تُحصى، ليس متخيلًا فى دولة تترجّى الله فى حق رغيف العيش، وتناقش سبل وصول الدعم لمستحقيه، تسمح بأريحية دولة نفطية، بنزيف العملات الأجنبية تلبية لأشواق بعض القادرين على أداء المناسك تواليًا دون سقف وبأرقام فلكية، اتكأ على الاستطاعة الشخصية دون الالتفات إلى منطوق الاستطاعة المجتمعية، وهى من أبجديات فقه الأولويات كما يقول جمهور العلماء.
تطبيق مبدأ «فقه الأولويات» ضرورة مستوجبة على الأفراد فضلًا عن المؤسسات، وسد احتياجات المحتاجين أولى، نعم فى الحج ثواب عظيم وبركة، ويغفر الذنوب جميعًا، ولكن ثواب ستر البسطاء وإعانتهم على المعايش أعظم أجرًا عند الله، وهذا مجمع عليه من العلماء الثقات.
المراجع الدينية على اختلاف مذاهبها، تجمع جميعًا على أن «سد احتياجات المحتاجين أولى ألف مرة ومرة، وأعظم أجرًا، وأعلى ثوابًا من تكرار الحج والعمرة، على هذا النحو، فالأول واجب عينى أو كفائى، ولا شك أن الواجب عينيًّا كان أو كفائيًّا مقدّم شرعًا وفقهًا وإنسانية على سائر النوافل وقربات التطوع».
فى زمن العسرة، والضيقة الاقتصادية تصبح مثل هذه الإعلانات استفزازًا مكروهًا، لسنا فى بحبوحة اقتصادية لمثل هذه الرحلات الترفيهية، الاستطاعة المجتمعية تحكم، والمجتمع يعانى فلماذا تقديم الاستطاعة الفردية على الاستطاعة المجتمعية، فقه الموازنات مطلوب بشدة فى الشدة الاقتصادية.. استقيموا يرحمكم الله.
اقرأ أيضا– الإعلامي حمدي رزق يكتب: فتنة (ابن هيكل)!


