د. أمل رمزي تكتب لـ «30 يوم»: التعليم وسوق العمل..فجوة تحتاج إلى حلول
فى كل عام دراسى جديد، نعود إلى الحديث عن تطوير التعليم، وكأن القضية تبدأ مع فتح أبواب المدارس وتنتهى مع إعلان نتائج الامتحانات. لكن الحقيقة أن التعليم أكبر من ذلك بكثير، فهو القضية التى يتحدد من خلالها شكل المجتمع والدولة فى السنوات المقبلة، المواطن لا يعنيه فقط أن يسمع عن مناهج جديدة أو أنظمة امتحانات مختلفة، وإنما يريد أن يرى أثر التطوير فى حياة أبنائه: مدرسة منضبطة، معلم مؤهل، طالب يفهم ما يتعلمه، وأسرة لا تتحول رحلة التعليم بالنسبة لها إلى عبء لا ينتهى. ومن هنا، فإن نجاح أى إصلاح يجب أن يقاس بما يحدث داخل الفصل، لا بعدد القرارات التى تصدر خارجه.
وخلال السنوات الماضية اتخذت الدولة خطوات مهمة لإعادة بناء منظومة التعليم، من تحديث المناهج وتطوير البنية التكنولوجية، إلى تدريب المعلمين وإعادة النظر فى منظومة الثانوية العامة، وصولًا إلى تطبيق نظام البكالوريا المصرية. كما جاءت توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى باستمرار تطوير التعليم، وتحديث المناهج بما يواكب التطورات العلمية، والاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل، لتؤكد أن بناء الإنسان أصبح جزءًا أساسيًا من مشروع الدولة. لكن التحدى الحقيقى الآن هو الانتقال من مرحلة «تغيير المنظومة» إلى مرحلة أكثر أهمية، وهى قياس نتائج هذا التغيير على أرض الواقع، ماذا تغير فى مستوى الطالب؟ وهل أصبح أكثر قدرة على الفهم والتحليل والتطبيق؟ وهل نجح التطوير فى تخفيف الفجوة بين التعليم واحتياجات المجتمع وسوق العمل؟
ولأن العالم يتغير بصورة أسرع من أى وقت مضى، لم يعد مقبولًا أن يظل الطالب أسير ثقافة الحفظ والدرجة. المطلوب أن يتعلم كيف يفكر، وكيف يبحث، وكيف يميز بين المعلومة الصحيحة والزائفة، وكيف يحل المشكلات ويعمل مع الآخرين ويستخدم التكنولوجيا بوعى. وهنا يأتى دور المعلم باعتباره حجر الأساس فى أى إصلاح حقيقي، فلا يمكن أن نطالبه بتطبيق فلسفة تعليمية جديدة من دون تدريب حقيقى وتأهيل مستمر ودعم مهنى يواكب طبيعة المرحلة. كما يجب أن تمتد عملية التطوير إلى الجامعة والتعليم الفنى، بحيث يصبح الخريج أكثر ارتباطًا بسوق العمل، وأكثر قدرة على اكتساب المهارات، والتدريب، والابتكار، وصناعة الفرصة بدلًا من انتظار وظيفة تقليدية قد لا تكون موجودة بالشكل نفسه بعد سنوات.
التعليم إذن لا يحتاج إلى شعارات جديدة بقدر ما يحتاج إلى رؤية مستقرة، وتقييم مستمر، وجرأة فى الاعتراف بما ينجح وما يحتاج إلى تعديل. فالتطوير الحقيقى لا يعنى أن نغير النظام كل فترة، وإنما أن نعرف إلى أين نريد الوصول، وأن نقيس الطريق بصدق وموضوعية. مصر لا تحتاج فقط إلى طالب يحصل على مجموع مرتفع، وإنما إلى إنسان يعرف كيف يفكر ويتحمل المسئولية ويواجه الحياة ويشارك فى بناء وطنه. فالاختبار الحقيقى للتعليم ليس كم طالبًا نجح فى الامتحان، وإنما كم إنسانا نجح التعليم فى إعداده للمستقبل…
حفظ الله مصر
اقرأ أيضا– د. أمل رمزي تكتب لـ «30 يوم»: مستقبل مصر.. ملحمة وطنية لتحقيق السيادة الوطنية


