نهاية مأساوية لـ « جزار البوسنة » راتكو ملاديتش
كتب- فايز السويفي، وكالات
قال وزير العدل الصربي نيناد فوجيتش أن الجنرال” راتكو ملاديتش” الملقب بـ جزار البوسنة” سيحصل على كل التكريم العسكري والرسمي الذي يستحقه، من وجهة نظر الدولة بعد وفاته أمس” الخميس”.
وكان ملاديتش 84 عاما (12 مارس 1942 – 27 أغسطس 2026) يمضي عقوبة السجن مدى الحياة لارتكابه جرائم حرب خلال حرب البوسنة في التسعينيات، وخصوصا بسبب الإبادة المرتكبة في سربرنيتسا سنة 1995.
وأضاف الوزير الصربي، أن المسؤولين الصرب ينتظرون تفاصيل عن موعد تسليم سلطات لاهاي للجثمان.
وقال الوزير نحن على استعداد للتوجه إلى لاهاي فور معرفة الخطوات التالية.
وفي عام 2017، حُكم على ملاديتش الذي قاد القوات الصربية في البوسنة خلال حرب 1992-1995 بالسجن مدى الحياة بقرار من المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، إثر إدانته بارتكاب إبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب البوسنة التي خلفت حوالى 100 ألف قتيل و2,2 مليون نازح.
ومن بين الجرائم المنسوبة إليه، إصداره أمرا بقتل نحو 8 آلاف رجل وفتى بوسني في يوليو 1995 في منطقة سربرنيتسا البوسنية .
وقبض عليه في 2011 في صربيا بعد فراره من العدالة لمدة 16 عاما.
ورغم الأفعال الإجرامية المنسوبة إلية وإدانته من طرف القضاء الدولي، لا يزال ملاديتش يحظى بتقدير خاص من طرف مسؤولين سياسيين من الصرب وصرب البوسنة.
ابن راتكو ملاديتش : قتلوا والدي
وقال ابنه داركو ملاديتش الأسبوع الماضي بعد زيارة والده في لاهاي (هو اغتيال صامت لوالدي)، قائلا: إن الأطباء في السجن أوقفوا عنه الرعاية بالكامل.. ورفعوا الأجهزة المساعدة بسبب تدهور حالته وصعوبة تعافيه.
وجسد ملاديتش التشدد القومي في يوغوسلافيا السابقة مع الرئيس السابق سلوبودان ميلوشيفيتش وزعيم صرب البوسنة السابق رادوفان كارادجيتش.
وكان قد توفى أمس الخميس في مستشفى السجن التابع للأمم المتحدة، الجنرال الصربي البوسني السابق راتكو ملاديتش في نهاية مأساوية خلف قضبان السجن لسنوات، ونهاية عادلة أيضا بعد مارتكبه من جرائم، حيث كان يقضي حكما بالمؤبد في لاهاي، وذلك بعد أكثر من 8 عقود شهدت معظم محطاتها على دمويته.
ولم يتوقع الكثيرون عام 1995 أن الجنرال الصربي البوسني السابق راتكو ملاديتش الملقب بـ جزار البوسنة” الذي يربت على أكتاف أطفال مسلمين ويوزع الحلوى عليهم، سيقتلهم بعد دقائق واقتيادهم إلى الإعدام، في مجازر وصفت بأقسى تطهير عرقي في العصر الحديث.
الجنرال راتكو ملاديتش قائد القوات الصربية آنذاك، قاد أفظع الفظائع في سربرنيتسا، وأعدم 8 آلاف رجل وفتى من مسلمي البوسنة، عاد يسير زهوًا في شوارع القرية الخاوية، مخاطبا الكاميرا (نمنح هذه المدينة هدية الشعب الصربي).
ميلاد وحياة مليئة بالكراهية والضغينة
وُلد راتكو ملاديتش عام 1942 أو 1943 وفق روايات أخرى، خلال الحرب العالمية الثانية، في قرية نائية اسمها كالينوفيك في الجنوب الشرقي للبوسنة، ونشأ يتيما بعد مقتل والده، الذي كان من القوميين اليوغسلافيين المتعصبين.
ورغم أن العنصرية والتطرف كانا السبب في مقتل والده بإحدى المعارك في الحرب على يد الحركة الفاشية المتطرفة أوستاشا، وجعله يتيما وهو يبلغ من العمر سنتين فقط، إلا أن ذلك لم يدفعه للابتعاد عن أفكار التطهير العرقي، إذ نشأ في بيئة من الكراهية ضد الألمان والكروات والمسلمين.
وترسخت هذه الأفكار في عقل ملاديتش عندما اضطر للالتحاق بالأكاديمية العسكرية وهو في سن الـ15، بعد أن خاب أمله في دراسة الطب بسبب الحالة المادية الصعبة لأسرته.
وبسرعة تأقلم مع محيطه العسكري وأصبح مزهوا بارتداء زي القوات اليوغوسلافية.
نشأ ملاديتش في بيئة من الكراهية ضد الألمان والكروات والمسلمين ،ولم يدخر ملاديتش جهدا من أجل إحياء فكرة صربيا الكبرى، بدافع إحساسه بالمظلومية وبأن شعبه قد تعرّض للكثير من الحيف وحان وقت استرجاع هيبة الصرب والانتقام من كل من ساهم في مأساة شعبه.
وأمام الهوس الذي أظهره بفكرة صربيا الكبرى والتعصب لعرقه، لم يجد الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش أفضل من ملاديتش ليسلمه سنة 1992 قيادة القوات الصربية في البوسنة.
الثلاثي الوحشي
وصار الوجه العسكري لثلاثي وُصف بـ”الوحشي”، يقوده على الصعيد السياسي ميلوسوفيتش وزعيم صرب البوسنة السابق رادوفان كاراديتش.
وبعد شهر واحد فقط من إعلان جمهورية البوسنة استقلالها وانفصالها عن الاتحاد اليوغسلافي عام 1992، رُقي في مايو من السنة نفسها ملاديتش إلى رتبة عماد.
وخلال حرب البوسنة والهرسك بين عامي 1992-1995، التي خلفت نحو 100 ألف قتيل و2.2 مليون نازح، قام الجنرال وقواته بمحاصرة العاصمة سراييفو وقام بقصفها عدة مرات بالمدفعية الثقيلة، فضلا عن تعرض سكانها للقنص العشوائي.
وكان الجيش الذي أنشأه ملاديتش للقتال في البوسنة نموذجا للقسوة والوحشية في تقاليد المحارب الصربي.
وأكثر الأمثلة فظاعة، اختنق سجناء من شدة الحر بعد إجبارهم على أكل الملح وحرمانهم من الماء، وتعرضوا للتجويع والاغتصاب في معسكرات الاعتقال، وأُجبروا على القفز من جسر ثم أُطلق الرصاص عليهم، وقُتلوا ليلا بالمئات، بعدما أُخرجوا من أماكن احتجازهم باستخدام الغاز الكيميائي.

أسوأ تطهير عرقي
وتحوّل ملاديتش لمهندس أسوأ حملة تطهير عرقي في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وفق وصف صحيفة لوفيجارو الفرنسية، إذ كان يأمر قواته بإعدام وتعذيب واغتصاب عشرات الآلاف من الناس، لكونهم “ليسوا صربيين”.
وكان يقسم دائما أن يُمحي أثر الحضارة الإسلامية من البوسنة حتى تصبح الأرض كلها لصربيا، وكان هذا القسم يلهب حماس جنوده المتعطشين للدم، ويدفعهم لارتكاب جرائم أبشع في حق المدنيين من المسلمين، وفق الصحيفة الفرنسية.
وفي عام 1993 ضُمّت مدينة سربرنيتسا للمناطق الآمنة الخاضعة لحماية قوات القبعات الزرقاء التابعة للأمم المتحدة، وبثت الأخيرة عبر مكبرات الصوت رسائل الأمان لسكان المدينة وحماية المدنيين، وكان من بين شروط ضم سربرنيتسا هو أن يسلم المسلمون في المدينة أسلحتهم، تحت مبرر عدم استثارة الصرب وزيادة التوتر.
ورغم كل التنازلات التي قدمها المسلمون، لم تشفع لهم في وقف زحف قوات ملاديتش التي كان يرى في هذه المدينة عقبة أمام حلمه الأسود في تطهير المنطقة.
وبعد حصار ممنهج للمدينة، أعطى الجنرال الأمر لقواته لاقتحامها وإعدام كل الرجال.
حيث أعدمت القوات الصربية أمام أعين ملاديتش 8 آلاف رجل وفتى من مسلمي البوسنة، كانوا قد لجؤوا إلى ما كان من المفترض أن يكون جيبا محميا من الأمم المتحدة.
وأُلقيت جثث الضحايا بالجرافات في مقابر جماعية خلال 4 أيام في يوليو 1995، ونُبشت كثير منها لاحقا، كما نُقلت إلى جبال نائية لإخفاء أدلة القتل.
كان ملاديتش قد كلّف مصورا بتصوير الهجوم على سربرنيتسا، وقال آنذاك للكاميرا “نمنح هذه المدينة هدية للشعب الصربي”، مدعيا أن الانتصار كان انتقاما من الأتراك المسلمين الذين حكموا المنطقة سابقا بوصفها جزءا من الإمبراطورية العثمانية.
وكان الهدف، وفق ما خلصت إليه المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة التابعة للأمم المتحدة، هو “التطهير العرقي”؛ أي التهجير القسري للمسلمين البوسنيين والكروات وغيرهم من غير الصرب، لإخلاء أراض بوسنية من أجل إقامة صربيا الكبرى.
آنا .. والحزن الكبير
لكن الجنرال لم يكن منشغلا بالحرب لدرجة تمنعه من أخذ إجازة بين الحين والآخر، للعب ألعاب الطاولة، والاسترخاء مع زوجته وولديه، داركو وآنا، اللذين كان يُبقيهما بأمان في بلجراد، وفق توثيق لصحيفة الجارديان البريطانية.
وتنقل الجارديان قصة لافتة، إذ كانت ابنة الجنرال “آنا” في أوائل العشرينيات من عمرها، وقد وقعت في غرام طبيب شاب، وناشط في مجال حقوق الإنسان، كان يعتقد أن والد خطيبته مجرم حرب.
واشترط الطبيب -وفق رواية الصحيفة- من أجل الزواج من آنا، بأن تتبرأ من والدها، لكن ولأنها لم تستطع فعل ذلك، أو التخلي عن أحلامها بالحب والزواج، أخذت مسدس والدها المفضل من علبته بعد ليلة من ألعاب الطاولة في فبراير 1994، وأطلقت النار على نفسها.
وتقول بعض الروايات إن “آنا” لم تستطع تحمّل عار الجرائم التي ارتكبها والدها، إلا أن عائلة ملاديتش تنازع هذه الروايات، حيث اتهم الجنرال أعداءه باغتيالها، وهو ما ضاعف من حنقه وكرهه لغير الصرب.
طلب راتكو ملاديتش الأخير قبل المحكمة
وكان آخر طلب للجنرال قبل نقله لاحقا إلى المحكمة هو زيارة قبرها.
كان آخر طلب للجنرال ملاديتش قبل نقله إلى المحكمة هو زيارة قبر ابنته” آنا” التي قيل إنها انتحرت .
بعد نحو شهر من مجزرة سربرنيتسا، قام رئيس جمهورية الصرب آنذاك رادوفان كاراديتش بإعفاء ملاديتش من منصبه بسبب خسارته لبلدتين مهمتين غربي البوسنة لصالح القوات الكرواتية،لكن ملاديتش وبفضل دعم الجيش له والعديد من الزعماء السياسيين أجبر كاراديتش على التراجع عن القرار، وبقى في منصبه قائدا للقوات المسلحة حتى أغسطس 1996.
بعدها، توارى عن الأنظار وبدأت عملية مطاردته وملاحقته لتقديمه للقضاء الدولي، حيث راجت شائعات كثيرة حول قيامه بإجراء عمليات تجميل لتغيير ملامح وجهه، بالإضافة إلى معلومات غير مؤكدة عن وفاته.
ولم تنجح محاولات اعتقاله -الذي اعتبر واحدا من الشروط الأساسية لانضمام صربيا إلى الاتحاد الأوروبي– حتى يوم الخميس 26 مايو 2011، حين اعتقلته وكالة المعلومات الأمنية الصربية (جهاز المخابرات) بالقرب من مدينة زريجنانين بالقرب من منطقة بانتا التابعة لمقاطعة فيوفدينا شمال صربيا، وذلك في منزل ابن عمه برانسيلاف ملاديتش.
ملاديتش.. وسنوات خلف القضبان
وفي يونيو 2011، وبعد حوالي أسبوع على اعتقاله، مثل راتكو ملاديتش للمرة الأولى أمام محكمة جرائم الحرب في لاهاي بهولندا بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خاصة ضد المدنيين بمدينة سربرنيتشا.
وأصر ملاديتش طوال محاكمته، ثم خلال إجراءات الاستئناف، على أنه غير مذنب بارتكاب إبادة جماعية أو جرائم حرب.
وكان يهاجم القضاة بخطب غاضبة ومتكررة، واصفا المحكمة بأنها “صنيعة القوى الغربية”، ومصوّرا نفسه على أنه هدف لحلف شمال الأطلسي (الناتو).
وأُدين عام 2017، وثُبّتت عقوبة السجن المؤبد بحقه في الاستئناف عام 2021، وصاح آنذاك “كل هذا أكاذيب، أنتم جميعا كاذبون”.
ووصفه المفوض السامي السابق للأمم المتحدة لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين بأنه “تجسيد للشر”.
ورغم جرائمه، ظل كثير من الصرب يرونه قائدا عسكريا صوّر نفسه على أنه “رجل بسيط” اختاره القدر لحماية شعبه!!.



