الإعلامي حمدي رزق يكتب: اللَّغَطُ الدِّيني
قطع الدكتور «عباس شومان»، أمين هيئة كبار العلماء بالأزهر، قول كل خطيب، ببدعة الاحتفال بالمولد النبوى الشريف.. كتب لائمًا معاتبًا إخوانه: «من العيب أن يشتعل الخلاف فى كل عام بشأن الاحتفال بمولد خير البشر، فى وقتٍ يحتفل فيه عامة الناس بأعياد ميلادهم. احتفل أو لا تحتفل، ولا تُكثر اللغط».
ما يقصده الدكتور شومان وينهى عنه هو اللَّغَطُ الدِّينى، واللَّغَطُ هو اختلاط الأصوات وضجتها بحيث لا تُفهم، ويُطلق على كثرة الكلام والجدل والبلبلة وسط الناس.بين ظهرانينا خلايا سلفية نائمة تستيقظ فى المواسم الدينية تبلبل الناس، وتفتنهم فى دينهم، يسوقون بضاعتهم الراكدة، التبديع والتفسيق والتكفير باعتبارها أحكامًا شرعية يسكها هؤلاء على نهج إمامهم (ابن تيمية) الذى به يهتدون.
هناك ما يمكن توصيفه اصطلاحًا بـ«الإلحاف»؛ بمعنى التكرار والإلحاح، و«ألحف» يعنى ألحَّ، ومنها اللحوح بمعنى كثير السؤال المديم. وهكذا يُلحفون فى مسألة الاحتفال بالمولد النبوى، لقد قُتلت بحثًا، وصدرت فيها فتاوى تملأ مجلدات، ولكنهم يطلبون الفتوى كل عام فى موعد مضروب، فتوى موسمية تدخل موسوعة الفتاوى الموسمية التى أصدرتها دار الإفتاء المصرية فى أحد عشر مجلدًا تكفى الأمة الإسلامية حتى يوم القيامة.
سلفيو العصر والأوان (هؤلاء من يخاطبهم شومان)، عادةً ما ينشطون لإثبات الوجود فى المواسم الدينية التى عادة ما يحتفل بها المصريون، يتناولون احتفال المولد هكذا بالتبديع، القول بأنه بدعة ومخالف لما كان عليه النبى، صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والرسول كان يصوم يوم مولده صلى الله عليه وسلم احتفاءً.
سلفيو العصر والأوان، مولعون بالفتنة المجتمعية حول ما يصفونه بألسنتهم «محدثات الأمور»، باعتبار كل محدثة بدعة.. ولا يعيرون البدعة الحسنة التفاتًا.
ويتبعهم الغاوون، الموسوسون، ما يمكن تسميته «الهسس الدينى»، والهسس معجميًّا، صوت الإنسان الخفى، هسس الحالة المجتمعية، يعالجونه عادة بالسؤال، وهذا يحتاج دراسة مجتمعية نفسية معمقة تجيب عن سؤال: ماذا يقض مضاجع المصريين دينيًّا حتى يتناولوا احتفال المولد النبوى هكذا بالتبديع؟
وكأن طلب الفتوى قبل تذوق حلاوة المولد مقرر علينا من المقررات المجتمعية إزاء إلحاح مجتمعى مرضى. أخشى حالة نفسانية أصابت البعض بالهسس، لا تمر مناسبة دينية إلا وينغصون عيشتنا بمثل هذه الأسئلة التى باتت من المقررات علينا، وليتها أسئلة اختيارية، لكنها إجبارية، مجبر أخوك لا بطل.
سؤال الحلال والحرام بات مقررًا علينا، وهذا عَرَض مجتمعى لمرض مزمن، أقراص الفتاوى (الفتاوى) كأقراص السلفا، تعالج عرضًا مؤقتًا لا تعالج مرضًا مقلقًا، هل هناك تفسير اجتماعى منطقى وواقعى لزيادة الطلب على الفتوى؟ هل هى نوبة تدين طارئة؟ وكأن المصريين يتعرفون مجددًا على دينهم، وما هو جديد الفتوى الذى تكالب عليه المصريون فى السنوات الأخيرة.
ما الذى يقلق المصريين دينيًّا إلى حد طلب (3500 فتوى يوميًا) من دار الإفتاء وعبر آلياتها البشرية والإلكترونية؟ وما الترجمة المجتمعية لزيادة معدلات طلب الفتوى؟
نزوع المصريين إلى طلب الفتوى بشراهة مفرطة يشى بأن كثيرين باتوا مقلقين حلالًا وحرامًا، صار السؤال حلالًا أم حرامًا السؤال الرئيس فى حياة الناس، ويخرق السؤال أدق الخصوصيات، وفى قضايا أبعد ما تكون عن الحلال والحرام، ومسّت الفتوى قرارات سياسية وسياسات اقتصادية خلوًا من الحلال والحرام، أخشى عيشتنا أصبحت بين حلال وحرام.
اقرأ أيضا – الإعلامي حمدي رزق يكتب: بشأن القرار الوزاري (150)



