توبكُتّاب وآراء

د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: « الشخصية المحمدية » أعظم النِعم.. لماذا ؟

لأنه سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين ، فإن الله لم يَمُن على عبادة فى نعمةً أنعمها عليهم فى الدنيا ، إلا فى واحدة فقط ، هى نعمة إرساله رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين وأن هداهم إلى رسالته ..

عندما قال سبحانه وتعالى : “لقد مّنْ الله على المؤمنين أن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة “( آل عمران ) !! ..

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى أخرجه الترمزى : أحبوا الله لِما يغذوكم به من نعمة وأحبونى لحب الله لى وأحبوا أهل بيتى لحبى لهم ..

فدل صلى الله عليه وسلم أن حبه وأهل بيته المكرمين شرطٌ وإعترافٌ بالحب لله سبحانه وتعالى ..

ولأنها النعمة التي مَنَ الله عليهم فيها فإنه سيحاسبهم عليها حُباً وطاعةً وهدايةً وتأسياً يوم يكون الحساب ..

وقد يعتقد الناس أن المال والبنون من النعم ، وهى كذلك ، لكن هاتين النعمتين هما أدنا النعم لكونهما مجرد زينةً فى الحياة وليستا أساسيتين ، “المال والبنون زينة الحياة الدنيا ” (الكهف)…

ولهذا تخطىء الغالبية من المسلمين ، عندما تعتقد أن الآية : “وأما بنعمة ربك فحدث” (الضحى) ، تعنى أن يتفاخر ويتظاهر ويتحدث عما لديه من مال أو عقار ، لأنهم ينسون أن تفسيرهم للآية على هذا النحو يتعارض مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الدنيا لا تساوى عند الله جناح بعوضة ..

إنما التأويل الصحيح لآية “أما بنعمة ربك فحدث” ، إنما يعنى بالأساس الفهم والمعرفة والحكمة والعلم والإلهام الذى يفتح الله به على الإنسان ، “ومَنْ يؤتى الحكمة فقد أوتى خيرًا كثيرأ ” (البقرة) ، أو التحدث للناس بما فتح الله عليه تبليغًا عن الرسول: بلغوا عنى ولو آية ..

وحتى بالرغم من أن المعرفة والعلم والإلهام من النِعم الكبرى ، إلا إنها مع ذلك لا تضاهي عظمة وتفرد نعمة الله على البشر بإرساله رسوله صلى الله عليه وسلم ..

كما أن الذى يؤتى نِعمة المعرفة، لا ينالها إلا بعد أن يتأسى ويتشرع ويتحقق بالنعمة المحمدية ، لأن هذه النعم من الميراث المحمدى الذى يرثه الصالحون ..

والسبب ، أن العلم رغم مكانته ، قد يفضي بصاحبه إلى سوء الخاتمة ، إذا لم يحسن التصرف ، أو حدثته نفسه تكبرًا وتفاخراً بما يسىء الأدب مع الله المتفضل عليه ،لأنه وفوق كل ذى علمٍ عليم ..

وبالتالي فإن العاقل لا يزكى نفسه على الله فى عِلمٍ أو نعمة أنعم الله بها عليه ولنا المثل فيما مر به علماؤنا ..

ويعترف الإمام الشافعى ( محمد بن إدريس) نفسه ، أحد الأئمة الأربعة ، قائلًا: “حدثتنى نفسى يومًا ، أنى عالمٌ وفقيهٌ ،وأنا على هذا الحال من حديث النفس كنت أصلى بالناس المغرب فأخطأت فى قراءة الفاتحة ، وردنى العامة من المصلين خلفى ، ثم صليت العشاء بالناس وأخطأت مرة أخرى فى الفاتحة ، فإستشكل علىَّ الأمر ، فصليت ركعتى إستخارة وهو ما أفعله عندما يستشكل علىَّ أمرٌ ، فأخذتنى سِنة من النوم فرأيت فى منامى أن محاكمة عسكرية نُصِبت لى بتهمة إساءة الأدب مع الله “..

“وبدأت المحاكمة بأن نودى علىَّ والتهمة الموجهة لى ، وحكم علىّ بالإعدام من قِبل هيئة المحكمة المؤلفة من ثلاثة قضاة ، غير أن أحد هيئة المحكمة ، إلتمس تخفيف الحكم ، فسأل القاضى لِما ؟؟ وبما ؟؟ “…

“فقال عضو هيئة المحكمة: أولًا أن الشافعى له أيادى بيضاء على أمة الإسلام بما قدمه من علم ، ثانيًا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه قال عنه نبوءةً ؛ أنه سيخرج من بطون قريش رجلٌ يملأ الدنيا بعلمه” ..

“فقال القاضى : وبما نخفف الحكم ؟ ، قال العضو : أن يخرج الشافعى هائماً على وجهه فى الطرقات باحثاً عن أقذر الناس هيئةً فيقبل يده حتى تنكسر نفسه .. وإرتضت هيئة المحكمة الحكم “..

ويضيف الشافعي : وإستيقظت من نومى عازمًا تنفيذ الحكم ، وخرجت هائمًا على وجهى باحثًا عن شخصٍ رث الهيئة لأقبل يده تأديبًا لنفسى ، إلى أن رأيت شخصاً رث الهيئة يرتدى ثياب بالية يقتات من كومةٍ من القمامة وقد إنبعثت من حوله رائحة تزكم الأنوف ، وكلما إقتربت منه ، تراجعت بسبب الرائحة الكريهة ، غير أنى قلت فى نفسى : ليكن فهذا حكم واجب النفاذ ، فوضعت يدى على أنفى ، وهمّمت لآخذ بيد الرجل لأقبلها ، فإذا به يصفعنى بقوة على وجهى قائلًا: تأدب يا شافعى ، أنا الذى خففت عنك الحكم الليلة الماضية ، الأولىَ بك أن تقبل يدِ نفسك ، حتى لا تسىء الأدب مع الله مرة أخرى” ..

ويُروى عن جابر الجعفى أنه قال : دخلت على الباقر ( محمد الباقر ) إبن على زين العابدين بن الحسين رضي الله عنهم ، فقال لى : ما يقول أرباب التأويل عندكم فى قوله تعالى : “ثم لتسألن يومئذٍ عن النعيم ” (الشورى) ؟؟ ، فقلت : يقولون الظل والماء البارد .. فقال له : يعنى لو أنك أدخلت بيتك أحدًا وأقعدته فى ظل وأسقيته ماءً باردًا ، أتمُن عليه ؟ .. فقلت : لا .. قال الله أكرم من أن يطعم عبده ويسقيه ثم يسأله عن ذلك … فقلت ما تأويل الآية إذن ؟؟ قال : النعيم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنعم به على هذا العالم فإستنقذهم به من الضلال ، أما سمعت قول الله تعالى : “لقد مَنْ الله على المؤمنين أن بعث فيهم رسولًا…” .. فوالله هو النعمة الكبرى التى يمَنْ بها الله على خلقه دون غيرها من نِعم الدنيا …

كاتب المقال د. محمد المنشاوي سياسي وأديب ، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الاوسط للشؤون الدولية والتعاون الدولي ، وكبير محرري شئون رئاسة الجمهورية سابقًا ، والحائز على جائزة “ملهم الدولية – وشخصية العام لسنة ٢٠٢٤ ” فى مجال الإعلام الهادف والتثقيف السياسي ” من منتدى رواد الأعمال العرب).

 اقرأ أيضا – د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: يومٌ إبتهجت فيه الأرض والسماوات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى