د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: يومٌ إبتهجت فيه الأرض والسماوات
فى ظاهرة كونية جاءت تكريمًا من الله سبحانه وتعالى بمناسبة نزول الصورة البشرية للذات المحمدية وملامستها لأرض الله المباركة ، إبتهجت الأرض والسماء بميلاد خاتم المرسلين سيدنا محمد صلّ الله عليه وسلم فى شهر ربيع الأول المبارك من عام الفيل ..
لتشهد الخلائق قبل نحو أربعين عامًا من إحتفال البشرية بميلاده الشريف ، كيف إحتفل الكون أرضًا وسماءً بميلاد “إنسان عين الوجود والسبب فى كل موجود” ، وملامسة هذه الصورة المادية المباركة للأرض فى ظاهرة إهتزت لها الأرجاء والأنحاء ..
حقًا وصدقًا ويقينًا ، جِئتُ إلى الدنيا فعشت مُمجداً ، وغِبتُ عن الدنيا ولازلتُ سيداً ، صلاةُ الله عليك فى كل خفقةٍ ، فقد ماتت الأسماءُ إلا محمدًا ..
فقد وُلد النبي صلّ الله عليه وسلم فى مكة قبل ٥٣ عامًا من الهجرة بما يوافق ٥٧٠ أو ٥٧١ ميلادية ، لقول قيس بن مخرمه أنه وُلد هو والنبي صلّ الله عليه وسلم فى عام الفيل ..
وكانت ولادته صلى الله عليه وسلم فى دارٍ عُرفت بدار إبن يوسف من شِعب بنى هاشم بمكة ، وقد كان لبنى هاشم أهل الرسول صلى الله عليه وسلم الزعامة فى قريش ، كما ورد فى كتاب ” إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والحفدة والمتاع” لتقى الدين بن أحمد المقريزي..
ولأن هذه الظاهرة الكونية جاءت تكريمًا للذات المحمدية ، فقد رُجمت الشياطين وحُجِبت عن السماوات ، كما حكى لنا القرآن الكريم فى سورة الجن : “وإنا لمسنا السماء فوجدناها مُلِئت حرسًا شديدًا وشُهبا ، وإنا كنا نقعد مقاعد للسمع ، فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا ” (الجن: الآية ٨ و ٩ ) ..
ويقول العلماء فى شرح هذه الظاهرة الكونية ، أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يحمى السماء من إستراق الشياطين للسمع بها كسابق عهدهم .. فقد كانت الشياطين قبل ذلك توسوس للكهنة ببعض الأمور السماوية فتظهرهم أمام أتباعهم بالعالِم ببواطن الأمور وخفايا السماء وأسرار الغيب ، فكان لابد من حماية وحى السماء من هذه الإغارات الشيطانية ، حتى قبل أربعين عامًا من البعثة المحمدية..
وفى إرهاصات دلت على عِظم شأنه صلّ الله عليه وسلم ، يقول الخرائطي فى كتاب “هواتف الجن” لقد إحتفلت الأرض ليلة هذا الميلاد الشريف بأن إنشق إيوان كسرى حتى سُمع صوته ، وسقطت أربع عشرة شرفه من قصور كسرى ، وأطفئت نار المجوس التى كانوا يعبدونها ، ولم تخمد من قبل ذلك بألف عام بل كانت تضرم ليلًا ونهارًا ، وغاضت بحيرة ساوة ..
وكانت ساوة بحيرة عظيمة فى مملكة عراق العجم بين “همزان” و”قم” والتى كانت تحيط بها المعابد ، فأصبحت ليلة مولده صلّ الله عليه وسلم يابسة ناشفة وبنى فى موضعها مدينة ساوة ..
وأخرج أبو النعيم فى الدلائل عن الصحابية فاطمة بنت عبد الله الثقفية أم الصحابى عثمان بن العاص وهى من ثقيف قالت : حضرت ولادة الرسول صلّ الله عليه وسلم فرأيت البيت حين وُضع قد إمتلأ نورًا ، ورأيت النجوم تدنو حتى ظننت أنها ستقع علىّ ، وتذكر أمه آمنة بنت وهب أنها لم تجد حين حملت به صلى الله عليه وسلم ما تجد النساء من شدة الحمل والطلق ، وقد ولدته مختوناً مسرورًا ، ولما وضعته وقع على الأرض مقبوضة أصابع يديه مشيرًا بالسبابة كالمُسبِح لله ..
وحضرت ولادة الرسول صلّ الله عليه وسلم – الى جانب فاطمة بنت عبدالله – ثلاث نساء أيضًا هُن أم أيمن والدة أسامة بن زيد قائد جيوش المسلمين ، وكانت أم أيمن حاضنة حضرته بعد وفاة أمه وفى حياتها حيث كانت جارية جده عبد المطلب وأهداها لإبنه عبدالله..
أما الثالثة، فهى الشفاء أم الصحابى عبد الرحمن بن عوف أغنى أغنياء العرب ، فى حين كانت الرابعة ، ثُويبة عبدةَ وجارية أبى لهب عم الرسول والتى أعتقها فرحًا بنبأ مولد إبن أخيه ، وقد أسلمت جميعهن وهاجرن مع رسول صلّ الله عليه وسلم بعد ذلك ..
وإحتفالنا بذكرى ميلاد الرسول صلذ الله عليه وسلم إنما يأتى بما فعله هو نفسه عندما سُئل عن صيامه يوم الإثنين قال صلّ الله عليه وسلم : “ذاك يومًا وُلدت فيه ” وأن صيامه ذلك اليوم أسبوعيًا من باب الحمد لله على ذلك ..
وقد كان رسول الله صلّ الله عليه وسلم يقوم فى يوم مولده كل عام بجميع العبادات من صيام وصلاة وأذكار حتى أنه إذا أصبح فى هذا اليوم يقول : الحمد لله الذى أحيانا وإليه النشور ..
ولم يكن الرسول صلّ الله عليه وسلم أول مَنْ إحتفل بميلاده بين الرسل ، فقد سبقه عيسى بن مريم عليه السلام عندما مجد وإمتدح يوم مولده، وقد أوردالقرآن على لسانه “السلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيًا ” (مريم : ٣٣) ..
إن إحتفال رسول الله صلّ الله عليه وسلم بيوم مولده بصيامه الإثنين من كل أسبوع ، إنما يأتى من باب الحمد لله ، فهو محمد أى أكثر مَنْ حُمد ، وهو أحمد أى أفضل مَنْ حَمد ربه ، وهو حامد أى الحامد دائمًا لله ، وجميعها من مادة واحدة هى مادة الحمد لله ، أما إحتفالنا نحن معشر المسلمين بمولده الشريف صلّ الله عليه وسلم إنما هو شكرًا وحمدًا لله على نعمته إلينا بأن أرسل لنا هذه الرحمة “وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين “..
ويتعين علينا أن نحبه صلّ الله عليه وسلم بوصفه نعمةً من الله كما قال فى الحديث الشريف : أحبوا الله لِما يغذوكم به نعمة وأحبونى لحب الله لى وأحبوا أهل بيتى لحبى لهم ..
( كاتب المقال د. محمد المنشاوي سياسي وأديب ، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الاوسط للشؤون الدولية والتعاون الدولي ، وكبير محرري شئون رئاسة الجمهورية سابقًا ، والحائز على جائزة “ملهم الدولية – وشخصية العام لسنة ٢٠٢٤ ” فى مجال الإعلام الهادف والتثقيف السياسي ” من منتدى رواد الأعمال العرب).
اقرأ أيضا – د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: الشمائل المحمدية فى حُب الوطن..!!




