توبمنوعات

نسائم الجمعة.. الإعجاز العلمي وعظمة الخالق في .. أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ .. وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ.. (1)

قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ .. وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ -البلد: 8/9- من سورة البلد.

تُذكر الآيات الإنسان بنعم الله العظيمة الظاهرة التي تدل على قدرته وتستوجب الشكر لا الكفر والغرور.

الاستفهام التقريري:

يبدأ السياق بـ “ألم” وهو استفهام تقريري بمعنى (بلى، قد جعلنا له)، تذكيراً للإنسان بفضل الله عليه حين ظن أن لن يقدر عليه أحد أو اغتر بماله وقوته.

نعمة العينين (البصر):

امتنان من الله سبحانه وتعالى بخلق العينين على هذه الدقة البالغة ليبصر بهما ويتأمل في ملكوت السماوات والأرض، ويميز بين النور والظلام، ويعتبر بما يرى.

نعمة اللسان والشفتين (البيان والنطق):

امتنان بأداة النطق والكلام، فاللسان هو ترجمان القلب والكاتب عما في الضمير، والشفتان هما الإطار الحاكم والمحكم لهذا اللسان، بهما ينطق الإنسان فيبين مراده، ويتعلم، ويشكر نعمة ربه، وبإطباق الشفتين يضبط الكلام أو يصمت عما لا يرضي الله.

تأتي هذه الآيات كدليل مادي محسوس على رعاية الخالق وقدرته، ليقابل الإنسان هذا الإحسان بالشكر وطاعة الله واقتحام العقبة في فعل الخيرات، لا بُطغيان القوة والمال..

إعجاز علمي في معاني العينين واللسان والشفتين..

كان الإعجاز اللغوي عند تنزل القرآن هو الإعجاز الوحيد الذي أدركه العرب بغض النظر عن محتواه العلمي والقصصي.

فقد كان يكفي العربي أن يستمع إلى آية أو آيتين ليدرك أن هذا الكلام هو كلام رب العالمين.

ومع مرور الوقت، ومع التقدم العلمي، وتنوع معارف الإنسان، اتضح أن بلاغة القرآن هي نسق علمي في غاية الدقة والإحكام.

فالحديث عن السماوات والأرض والجبال وغير ذلك من الظواهر الكونية، ليس الهدف منه بيان قدرة الخالق فقط، بل هو علاقات دقيقة بين مفردات كونية تحمل في طياتها أحدث ما يمكن أن يتوصل إليه العلم من نظريات وحقائق.

وفي علم الأجنّة، وتكوّن الجنين embryology في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ* وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾.

هذا الترتيب الدقيق في البدء بالعينين، ثم اللسان والشفتين هو ما يحدث في الحقيقية كالتالي:

العين (الأسبقية في الظهور)

​تعتبر العين من أبكر الأعضاء التي يبدأ تشكلها في الأسبوع الرابع، حيث تبدأ العين في الظهور على شكل “حويصلات بصرية” (Optic Vesicles)  ناتجة عن بروز في المخ الأمامي.

– ​تظهر العين كبقعتين صغيرتين على جانبي الرأس قبل أن يبدأ تشكل الملامح التفصيلية للوجه.

اللسان

– أما ما يتعلق باللسان والشفتين فهما يتشكلان لاحقًا، حيث يبدأ تشكّل الفم وتفاصيله بعد ظهور براعم العين بمدة وجيزة، وضمن عملية معقدة لاندماج “الأقواس البلعومية”.

– ​فاللسان يبدأ ظهوره في نهاية الأسبوع الرابع وبداية الأسبوع الخامس على شكل نتوءات صغيرة في أرضية الفم.

الشفتان

والشفتان يبدأ تشكل كل منهما؛ أي الشفة العليا والسفلى بين الأسبوع السادس والأسبوع الثامن، حيث تندمج براعم الوجه معًا لتكوين الفك والشفاه… وسبحان الله العظيم.. الخالق المبدع…

روى الحافظ ابن عساكر عن مكحول قال:

قال النبي – صلَّ الله عليه وسلَّم -‏:‏ ‏(‏يقول اللَّه – تعالى‏:‏ يا ابنَ آدم، قد أنعمتُ عليك نعمًا عظامًا، لا تُحصي عددَها، ولا تطيق شكرَها، وإنَّ مِمَّا أنعمتُ عليك أنْ جعلت لك عينين تنظر بهما، وجعلت لهما غطاءً، فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك، وإن رأيتَ ما حرمتُ عليك فأطبق عليهما غطاءَهما…

وجعلت لك لسانًا، وجعلت له غِلافًا، فانطق بما أمرتُك وأحللت لك، فإنْ عَرَضَ لك ما حَرَّمت عليك، فأغلق عليك لسانك….

وجعلت لك فرجًا، وجعلت لك سترًا، فأصب بفرجك ما أحللت لك، فإن عَرَض لك ما حرمت عليك، فأَرْخِ عليك سترك…

يا ابن آدم، إنَّك لا تتَحَمَّلُ سخطي، ولا تُطيق انتقامي‏)‏؛ ‏”‏أخرجه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي الربيع الدمشقي‏‏‏…

هذه الأعضاء الخِلْقية هي مصدر التحرّك السلوكي.

فالعينُ ليستْ وَسيلةً للمُشاهدة فقط، ولكنَّها كذلك عقلُه الذي يرى به، وعاطفته التي تحيي إليه اللَّذة، وتشكل مجموعةَ مواقف عصَبية.

في حين يبقى اللسان هو الأداة التي تنقل إلى الآخرين لغةَ العين من الناحية المرئية والتأمُّلية.

وبذلك نجد أنَّ العين في القرآن الكريم تُصْبِح حُجَّة على صاحبها يومَ القيامة؛ ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36].

نعمة النظر

نعمة النظر هي النِّعمة رقم واحد في أعضاء الإنسان التي جعلها الله – عزَّ وجلَّ – لنا؛ لأنَّها هي النعمة التي بها تستطيع أن تقومَ بكل أعمالك على أكمل وجه، فجعلها لنا ربُّ العباد؛ كي نرى كلَّ جميل، وكي نعمل، وكي نقوم بمسؤوليات حياتِنا كافَّة على أكمل وجه؛ بسبب هذه النعمة.

 جمال وعظمة الشفتين

ويقول أحد العلماء  جاء ترتيب ذكر النعم الثلاث بالترتيب حسب أهميتها وحاجة الإنسان لكل نعمة.. رغم أن كل نعمة من النعم الثلاثة المذكورة لها دورها وأهميتها” العينين- اللسان- الشفتين” يحتاج الإنسان لساعات وساعات لذكر فوائدها وأهميتها وعظمة الخالق.

ويضيف:  شعرت بمدى أهمية الشفتين التي قد ينظر إليها الإنسان بعدم اهتمام وكنت استشعر أن االبعض ينظر إليها كعملية تجميليه للوجه وتحسين مخارج الحروف وما يرتبط بها من نطق وخلافه…

لكنني في نهاية الستينات وأنا في شبابي، توقفت بالصدفة أمام شخص ( شفته السفلى فقط مقطوعة” والعليا موجودة، وكم كانت معاناة الشخص ومن حوله وهو يحاولون مساعدته في شرب الماء وهو عطشان)، ومدى المعاناة وهم يحاولون إنزال الماء في فمه قبل وصوله للحلقوم ومنها إلى المعدة.. لدرجة أنني استشعرت أن الرجل لايتذوق الماء والتلذذ به مثل أي شخص لديه شفتان ويشرب الماء بأريحية ويقبض على الشفتين بعد كل شرفة ماء، وكم هي من نعمة عظيمة،ولكن الإنسان اعتاد عليها وألفها مثلما نألف الأكل والشرب ووجود الماء والكهرباء مثلا وغيرها من احتياجات الحياة، فلم يقف عندها شاكرا لفضل الله عليه ونعمه، بأن خلق له شفتان يساعداه في النطق والشرب وتجميل الوجه وأشياء أخرى خفية قد لانعلمها حتى قيام الساعة….

 الحلقة المقبلة.. الجزء الثاني من: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ .. وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ… صدق الله العظيم.

 اقرأ أيضا – نسائم الجمعة.. مالفرق بين الصَرْ .. وصرْصَرًا في الآية «ريحًا صرْصرًا » في أيام نحِسات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى