كُتّاب وآراء

نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: العالم ينتفض اليوم لـ مواجهة زحف الرمال!

في أعماق سهول منغوليا الشاسعة، سيعقد مؤتمر مكافحة التصحر،حيث تهب الرياح حاملة معها حبات التراب الناعمة، تزحف ببطء، تلتهم الأخضر، وتجفف الينابيع، وتحوّل مروج الحياة إلى جراح جرداء.
نحن نتحدث عن التصحر، ذلك السكون المخيف الذي يبتلع الأرض تحت أقدامنا.

لم يعد هذا الشبح يخيف قرية نائية هنا أو هناك، بل بات كابوساً عالمياً يطارد ربع كوكبنا. تخيلوا أن أربعين في المئة من تراب كوكبنا صار متعباً، متدهوراً، وكأنه فقد بريقه وقدرته على منح العطاء.
هذه ليست مجرد أرقام تملأ تقارير البيروقراطيين، بل هي حقيقة تمسّ مليارَي إنسان يومياً، يرون حقولهم تذبل، ومحاصيلهم تختنق، ومياههم تتبخّر قبل أن تصل إلى جذور الأشجار.
لماذا هذا السكون المروّع؟ هل هو غضب الطبيعة؟ في الحقيقة، إننا نحن من يهيّج هذا الوحش.
إن استنزافنا الجائر للتربة، وإزالتنا للغابات التي كانت يوماً درعاً واقياً، واستنزافنا للمياه الجوفية، كل هذه الأفعال هي الوقود الذي يغذي زحف الرمال. التصحر ليس مجرد تحول في شكل الأرض، بل هو سرقة للأمن الغذائي، وتدمير للتنوع الحيوي الذي يعجّ به كوكبنا. إنه سارق صامت ينهب ثروة الأجيال القادمة.
ومن هنا، ولأن الرمال لا تتوقف عن الزحف وحدها، يلتقي العالم في مدينة أولان باتور المنغولية في اليوم الاثنين “السابع عشر من شهر أغسطس لعام “2026.
هذا الاجتماع ليس مجرد تجمّع للمسؤولين في قاعات مكيفة، بل هو محاولة يائسة ومُتأمِّلة لإعادة الروح إلى التراب. تحت شعار “استعادة الأرض، استعادة الأمل”، يبحث المندوبون عن وصفات سحرية، أو ربما حلول عملية، لوقف هذا النزيف.
وهنا، في قلب الشرق الأوسط، تقف مصر كحارس يقظ لهذا الإرث المهدد. إن الأراضي المصرية، التي تتجاوز مساحتها أكثر من 90% منها صحاري جرداء، تروي لنا قصة مختلفة. إنها ليست مجرد أراضٍ ميتة، بل هي كنز نائم ينتظر من يوقظه. لقد انطلقت الدولة المصرية في ملحمة استثنائية لمواجهة هذا الوحش، متجاوزةً حدود التحدي التقليدي.
من خلال “خطة العمل الوطنية المصرية (2024-2030)”، لا تكتفي مصر بالدفاع عن أراضيها القديمة، بل تتقدم بخطوات جريئة نحو “استصلاح المستقبل”. فالنظر إلى مشروع “الدلتا الجديدة” ومشروع “توشكى الخير” ليس مجرد استصلاح للأراضي، بل هو إعلان حرب صريح على التصحر. إن شق أطول نهر صناعي في العالم، والذي ينقل مياه النيل إلى أعماق الصحراء الغربية لاستصلاح أكثر من 2.2 مليون فدان، هو دليل حي على أن البشر، إذا أرادوا، يستطيعون أن يهزموا زحف الرمال ويصنعوا الواحات. هذا الجهد الضخم يضع مصر في طليعة المشاركين في “مبادرة السور الأخضر العظيم الأفريقي”، لتتحول الصحاري إلى حزام أخضر يصد العواصف ويغذي الملايين.

إلا أن الحرب ضد التصحر لا تنتهي عند حدود استصلاح الأراضي، بل تتطلب ذكاءً وعمقاً في التعامل مع الموارد الشحيحة. ومن هذا المنطلق، تبرز مجموعة من المقترحات الاستراتيجية لمتخذي القرار في مصر، لتمتلك الدولة ترسانة متكاملة لمواجهة هذا التحدي:
أولاً، يجب أن نكون رواداً في “حصاد السحب”. إن مصر، وإن كانت تفتقر إلى الأمطار الغزيرة، إلا أن السيول والمياه العابرة تمثل فرصاً ذهبية تضيع في الرمال. لذا، يجب تبني تقنيات حديثة لحصاد مياه الأمطار والسيول عبر إنشاء أحواض ترابية وإسمنتية ذكية، وتحويل الشوارع والممرات في المدن الجديدة إلى “ممرات قابلة للنفاذ” تمتص المياه وتخزنها تحت الأرض، لتروي التربة الجائعة في أوقات الجفاف.

ثانياً، لا بد من إحداث ثورة في “الزراعة الذكية مناخياً”. بدلاً من الاعتماد على المحاصيل التقليدية الشرهة للمياه، يجب توجيه المزارعين نحو زراعة أصناف نباتية مهجنة ومقاومة للجفاف والملوحة. هذه النباتات ليست مجرد محاصيل، بل هي “جنود حرس” يثبتون التربة ويمنعون الرمال من الزحف، مع ضمان تحقيق عائد اقتصادي للمزارع.
ثالثاً، يجب دمج تقنية “تحلية مياه البحر” في قلب المنظومة الزراعية الساحلية. إن الاستثمار في محطات تحلية المياه بالطاقة الشمسية لا يقتصر على توفير مياه الشرب فحسب، بل يفتح الباب لاستزراع المناطق الصحراوية الساحلية الشاسعة، وتحويلها إلى مزارع نموذجية تنتج الغذاء دون استنزاف قطرة واحدة من مياه النيل.

أخيراً، ينبغي تفعيل دور “الزراعة المعمرة والبيئية”. إن زرع الأحزمة الشجرية الواقية حول المجتمعات العمرانية الجديدة والمناطق الزراعية، واستخدام تقنيات الزراعة الخالية من الحراثة التي تحافظ على رطوبة التربة وتمنع تطاير الأتربة، هي خطوات عملية منخفضة التكلفة، لكن تأثيرها في تثبيت التربة ومنع انجرافها قد يكون مذهلاً.
إن التصحر ليس قدراً محتوماً لا مفر منه.
إن الأرض تمتلك قدرة مذهلة على الشفاء، إذا ما أتيح لها المجال.
بينما تتجه أنظار العالم نحو منغوليا، تقف مصر بقدرة واقتدار، مسلحة بالخبرة والتكنولوجيا، لتثبت للعالم أن الاستجابة لزحف الرمال ليست بالخوف، بل بالعمل الشاق، والتخطيط الذكي، والإيمان بأن استعادة الأرض، هي بحد ذاتها استعادة للأمل.

كاتبة المقال – وكيل أول وزارة سكرتير عام بالمعاش .. كاتبة مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعى الوطني.

 اقرأ أيضا نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: من التأهيل إلى المنصة الوطنية.. الشباب على طاولة القرار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى