د.جيهان فؤاد تكتب لـ «30 يوم»: مواقع التواصل الاجتماعي وصناعة الرأي العام
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل بين الأصدقاء أو منصة لتبادل الصور والأخبار، بل أصبحت قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام وتوجيه النقاشات المجتمعية، حتى باتت في كثير من الأحيان المصدر الأول للمعلومات لدى قطاعات واسعة من المواطنين.
ففي الماضي كانت الصحف والإذاعة والتليفزيون هي المنابر الرئيسية التي تصنع اتجاهات الرأي العام، أما اليوم فقد أصبح الهاتف المحمول نافذة مفتوحة على العالم، تصل من خلالها الأخبار والتعليقات والتحليلات إلى ملايين الأشخاص في لحظات معدودة.
وقد منحت هذه المنصات المواطن العادي فرصة غير مسبوقة للتعبير عن رأيه والمشاركة في القضايا العامة، فلم يعد المتلقي مجرد مستمع أو مشاهد، بل أصبح صانعًا للمحتوى وناقلًا للمعلومة ومشاركًا في تشكيل النقاش العام. وتشير دراسات عديدة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أداة مهمة لتعزيز المشاركة المجتمعية وإتاحة الفرصة لظهور أصوات كانت بعيدة عن المشهد الإعلامي التقليدي.
ومن أبرز إيجابيات مواقع التواصل الاجتماعي أنها سرعت تداول المعلومات، وسهلت الوصول إلى المعرفة، وساهمت في نشر الوعي بالعديد من القضايا الاجتماعية والإنسانية. كما أتاحت للمؤسسات والمسؤولين التواصل المباشر مع المواطنين، وأصبحت وسيلة فعالة للتوعية والتثقيف وحشد الجهود المجتمعية في أوقات الأزمات والكوارث.
لكن الوجه الآخر للصورة لا يقل أهمية.
فكما ساهمت هذه المنصات في توسيع مساحة الحوار، فقد فتحت الباب أيضًا أمام انتشار الشائعات والأخبار غير الدقيقة. فسرعة تداول المحتوى تجعل بعض المعلومات تنتشر على نطاق واسع قبل التحقق من صحتها، وهو ما قد يؤدي إلى تكوين آراء ومواقف تستند إلى معلومات غير مكتملة أو مضللة. وتشير أبحاث حديثة إلى أن خوارزميات المنصات التي تعتمد على زيادة التفاعل والمشاركة قد تساهم أحيانًا في تضخيم المحتوى المثير للجدل أو المضلل لأنه يجذب انتباه المستخدمين بصورة أكبر.
ومن السلبيات الأخرى ما يُعرف بـ”فقاعات الرأي”، حيث يميل المستخدم إلى متابعة الأشخاص والصفحات التي تتفق مع أفكاره، فيجد نفسه محاطًا بآراء متشابهة، فيتصور أنها تمثل الحقيقة الكاملة، بينما تتراجع فرص الاستماع إلى وجهات النظر المختلفة. وهذا قد يؤدي إلى زيادة الاستقطاب والانقسام في بعض القضايا العامة.
كما أن التأثير الكبير للمؤثرين وصناع المحتوى يطرح تحديًا آخر، فليس كل من يمتلك عددًا كبيرًا من المتابعين يمتلك بالضرورة الخبرة أو المعرفة الكافية للتأثير في قضايا الرأي العام. وهنا تبرز أهمية التفكير النقدي وعدم التعامل مع كل ما يُنشر باعتباره حقيقة مطلقة.
ولعل التحدي الأكبر لا يكمن في مواقع التواصل نفسها، فالتكنولوجيا في جوهرها أداة يمكن استخدامها للبناء أو للهدم، وإنما يكمن في طريقة الاستخدام. فالمستخدم الواعي هو القادر على التحقق من المعلومات، والتمييز بين الخبر والرأي، وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة أو الشائعات المتداولة.
لقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي واقعًا لا يمكن تجاهله، وأحد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل الرأي العام وصناعة الاتجاهات المجتمعية. ولذلك فإن المطلوب ليس الابتعاد عنها، وإنما التعامل معها بوعي ومسؤولية، حتى تظل أداة لنشر المعرفة وتعزيز الحوار، لا وسيلة لنشر الانقسام أو التضليل.
ويبقى السؤال: هل نستخدم مواقع التواصل الاجتماعي لصناعة رأي عام مستنير، أم نتركها تصنع آراءنا بالنيابة عنا..
كاتبة المقال- المحامية بالنقض ونائب رئيس مجلس ادارة مؤسسة ميريت للدراسات الاستراتيجية
اقرأ أيضا – د.جيهان فؤاد تكتب لـ «30 يوم»: قبل أن نحاكم الناس… من الذي ربّى التريند؟




