الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: سد الأذية
عندما بدأت إثيوبيا في تشييد سد النهضة، قُدِّم المشروع للمجتمع الدولي باعتباره مشروعًا تنمويًا يهدف إلى توليد الكهرباء ودعم النهضة الاقتصادية للشعب الإثيوبي. غير أن السنوات اللاحقة أثارت العديد من التساؤلات، لا سيما مع استمرار إنشاء سدود أخرى، في وقت لم تتحقق فيه الاستفادة الكاملة المعلنة من المياه المخزنة، فضلًا عن تعرض بعض المناطق الإثيوبية لفيضانات وسيول تسببت في أضرار بالقرى والسكان.
ومن حق كل دولة أن تسعى إلى التنمية واستثمار مواردها الطبيعية، إلا أن من حق دول المصب أيضًا الحفاظ على حقوقها التاريخية في الحياة والتنمية. فالمياه بالنسبة لمصر ليست مجرد مورد اقتصادي، بل هي شريان وجود وحضارة ممتدة عبر آلاف السنين.
ويظل التساؤل قائمًا: إذا كان الهدف الأساسي هو التنمية وتوليد الكهرباء، فلماذا لم تتوافر الشفافية الكاملة بشأن إدارة السد وتشغيله؟ ولماذا استمرت سياسة فرض الأمر الواقع بدلًا من التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن مصالح جميع الأطراف؟ ولماذا أُنشئت مشروعات مائية إضافية بينما لا تزال القضايا الجوهرية المتعلقة بإدارة الموارد المائية محل خلاف؟
لقد أثبتت التجارب أن أي مشروع ضخم لا يراعي التوازن البيئي والهيدرولوجي قد يتحول إلى عبء على أصحابه قبل غيرهم. وما شهدته بعض المناطق الإثيوبية من فيضانات وخسائر يؤكد أن الطبيعة لا تخضع للشعارات، بل تحكمها المعايير العلمية الدقيقة ومتطلبات الإدارة الرشيدة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل كانت الدوافع اقتصادية بحتة؟ أم أن الاعتبارات السياسية والصراعات الإقليمية لعبت دورًا يفوق حسابات التنمية؟ وهل كان الفقر دافعًا لاتباع سياسات ضغط على الآخرين؟ أم أن هناك رهانات على وعود خارجية لم تحقق النتائج المرجوة؟
ولا يمكن الجزم بإجابات قاطعة لهذه التساؤلات، إلا أن المؤكد أن إدارة الأنهار الدولية لا ينبغي أن تقوم على منطق القوة أو الإضرار بالآخرين، بل على أساس التعاون والاحترام المتبادل والالتزام بالقانون الدولي، بما يحقق التنمية المشتركة دون المساس بحق أي شعب في الحياة.
لقد أثبت التاريخ أن الأمن المائي لا يتحقق عبر المواجهة، وإنما عبر الشراكة، وأن الشعوب هي أول من يتحمل تبعات الصراعات السياسية عندما تتحول الموارد الطبيعية إلى أدوات للضغط والنزاع.
وستظل مصر تؤمن بأن الحوار والتفاوض هما السبيل الأمثل، مع تمسكها الكامل بحقها المشروع في حماية أمنها المائي وفق قواعد القانون الدولي ومبادئ العدالة والإنصاف.
إن نهر النيل لم يكن يومًا سببًا للصراع، بل ظل دائمًا رمزًا للحياة والتعاون بين الشعوب. ومن الحكمة أن يبقى كذلك، لأن مستقبل أفريقيا لا تصنعه النزاعات، وإنما تصنعه الشراكة والتنمية التي تصون حقوق الجميع دون استثناء.
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.
اقرأ أيضا – الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: الجهل إلكترونيًا



