الأديبة السورية هيام سلوم تكتب لـ «30 يوم»: قراءة في ديوان «إلى آخر العمر أنت» للشاعر محمود إسماعيل
اعتدت من خلال مطالعاتي أن اكتب شيئاً عما قرات والأثر الذي تركه .
والحق يقال أن ثمة دواوين نقرأها بعين الناقد، وأخرى نقرأها بالقلب قبل العقل، لأن النص فيها لا يكتفي بأن يُقال، بل يُعاش.
وديوان “إلى آخر العمر أنت ” للشاعر محمود إسماعيل ينتمي إلى هذا النوع الأخير؛ فهو لا يقدّم قصائد منفصلة بقدر ما يبني سيرة وجدانية متصلة
تبدأ من الحب ولا تنتهي عنده، بل تمتد إلى الذاكرة، والزمن، والوطن، والحنين، والروح.
منذ العنوان الرئيس للديوان ” إلى آخر العمر ” ندرك أننا أمام إعلان وفاء لا أمام عبارة عابرة. فـ”أنت ” هنا ليست مجرد مخاطَب، وإنما مركز الكون الشعري الذي تدور حوله جميع القصائد.
والعناوين من البداية إلى النهاية امتدادًا طبيعيًا للعنوان الأكبر،
ويجد القارىء الديوان كله قصيدة واحدة موزعة على محطات متعددة.
لفتني وانا اقرأ أسماء القصائد
لم تكن تقليدية بل مفاتيح جمالية تثير فضول القارئ قبل الدخول إلى النص.
فعنوان مثل “تكتبني متى شاءت وتمحو” يحمل مفارقة شعرية عميقة إذ يتحول العاشق من فاعل إلى مفعول به،
وكأن الحبيبة تمتلك سلطة الخلق والمحو، فتغدو الكتابة نفسها استعارة عن الوجود الإنساني الذي يتشكل بالحب.
تتجلى المفارقة بأجمل صورها فالوصل هو الدواء، لكنه في الوقت نفسه الملح الذي يزيد الجرح اشتعالً اذكر قوله:
هواك البلسم الشافي لقلبي
وقربك جنة والبعد جرح
وجرحي لا يطيب بغير وصل
ووصلك في ثنايا الجرح ملح
وهنا لا يقع الشاعر في التناقض، بل يعبّر عن حقيقة الحب فهو الشفاء والألم معاً وهذه القدرة على جمع الأضداد تمنح النص بعدًا فلسفيًا يتجاوز الوصف المباشر.
في قصيدة”مدارات الحنين”
تكشف شاعرًا يكتب بالصورة أكثر مما يكتب بالعبارة.
فالحنين ليس شعورًا ساكنًا، بل حركة كونية تدور كما تدور الأفلاك.
فهو يربط مصير الإنسان بحركة الزمن والطبيعة، لتصبح الشمس والبحر والريح والبرق والرعد عناصر داخلية في التجربة الشعورية، لا مجرد زينة بلاغية.
الصورة هنا لا تُرسم، بل تتحرك، وتتنفس، وتتغير مع إيقاع القصيدة.
ومن أبرز سمات الديوان أن اللغة تبدو سهلة عند القراءة الأولى، لكنها تخفي كثافة رمزية عالية.
رأيت من خلال هذا الديوان أن الزمن ليس إطارًا للأحداث، بل مادة شعرية يعيد الشاعر تشكيلها الماضي يتحول إلى ذاكرة، والحاضر إلى انتظار، والمستقبل إلى وعد دائم باللقاء.
وتحتل الطبيعة مساحة واسعة عنده فالبرق، والرعد، والشمس، والخريف، والبحر، والريح، ليست مفردات وصفية، وإنما رموز نفسية. فالخريف ليس فصلًا من فصول السنة، بل استعارة للغياب، بينما يصبح المطر أو البرق إشارة إلى الأمل والبعث وتجدد الحياة.
كما أن الديوان يوازن بين العاطفة والفكرة فالحب فيه ليس انفعالاً بل رؤية للحياة.
والحبيبة ليست جسدًا أو ملامح، بل وطن، وذاكرة، وقدر، ورسالة، حتى يغدو العشق طريقًا لفهم الذات والوجود.
لفتني في الديوان بعض عناوين القصائد مثل
المجد كان وما زال الهوى ابدا
- فهرست أحلامي
- هواك المعلم والملهم .
إن أكثر ما يميز هذا الديوان هو صدقه والصدق، حين يقترن باللغة الجميلة والصورة المبتكرة، يصنع شعرًا يبقى في الذاكرة.
في الختام :
أقول “إلى آخر العمر أنت”تجربة شعرية تنتمي إلى مدرسة الوجدان الإنساني، وتتجاوز الغزل التقليدي إلى فضاءات أكثر رحابة حيث يمتزج الحب بالزمن، والحنين بالفلسفة، والإنسان بالطبيعة.
ويؤكد أن الحب الحقيقي لا يُقاس ببداياته، وإنما بقدرته على أن يبقى… إلى آخر العمر.



