نجوى العشيري تكتب: الدستور لا يقرأ «عدّاد» الكهرباء
لا يقرأ عداد الكهرباء سوى الأرقام… أما الدستور، فلا يبدأ قراءته إلا من الإنسان الذى يقف أمام هذا العداد.
وفى كل مرة تُعلن فيها زيادة فى أسعار الكهرباء، ينشغل الناس بحساب الفاتورة قبل أن ينشغلوا بقراءة القرار. وبين الأرقام التى تصدرها الجهات الرسمية، والأرقام التى يدونها المواطن فى دفتر مصروفات منزله، تقف أسئلة أكبر من قيمة الكيلووات، وأسخن من حرارة الصيف نفسه.
فالكهرباء لم تعد مجرد خدمة عامة، بل أصبحت أحد مقومات الحياة اليومية، يدخل ثمنها فى تكلفة الغذاء، والتعليم، والعلاج، والإنتاج، والعمل، بل وفى أبسط تفاصيل الحياة داخل كل منزل. ومن ثم، فإن النقاش حول أسعارها لا ينبغى أن يُختزل فى خبر عن زيادة جديدة، وإنما يجب أن يُقرأ باعتباره جزءًا من العلاقة بين الدولة والمواطن، ومن مفهوم العدالة الذى أرساه الدستور، ومن قدرة السياسات العامة على تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادى وحق الإنسان فى حياة كريمة.
ولا خلاف على أن الدولة تملك الحق فى إعادة النظر فى أسعار الخدمات العامة عندما ترتفع تكلفة إنتاجها أو تتغير الظروف الاقتصادية. فالحفاظ على استدامة المرافق العامة مسؤولية لا يمكن إنكارها، كما أن تطوير قطاع الكهرباء يتطلب استثمارات ضخمة تضمن استمرار الخدمة وتحسين كفاءتها.
غير أن السؤال الحقيقى لا يتعلق بحق الدولة فى التسعير، وإنما بكيفية ممارسة هذا الحق.
فالسياسات الرشيدة لا تُقاس فقط بسلامة الحسابات المالية، وإنما بقدرتها على الحفاظ على التوازن الاجتماعى. فالمواطن لا يتعامل مع الكهرباء باعتبارها سلعة يمكن الاستغناء عنها إذا ارتفع ثمنها، وإنما باعتبارها ضرورة لا تنفصل عن حقه فى العيش الكريم.
وهنا تبدأ القراءة الدستورية.
فالدستور المصرى لم يجعل العدالة الاجتماعية عبارة إنشائية، بل وضعها ضمن المبادئ الحاكمة لسياسات الدولة، وربط بين التنمية الاقتصادية وتحقيق التوازن المجتمعى، بما يكفل حماية الفئات التى قد تتحمل من أعباء الإصلاح أكثر مما تحتمل.
ومن هنا يصبح السؤال الدستورى أكثر عمقًا:
ليس: هل يجوز رفع أسعار الكهرباء؟
بل:
هل تظل الكهرباء، بعد الزيادة، فى حدود القدرة الواقعية للمواطن على الحصول عليها دون أن تتحول إلى عبء يهدد مستوى معيشته؟
فهناك فارق بين أن تكون الخدمة متاحة من الناحية القانونية، وأن تكون فى متناول القدرة المالية للمواطن.
والعدالة لا تعنى تثبيت الأسعار إلى الأبد، كما أنها لا تعنى تحميل المواطن كامل تكلفة الإصلاح كلما ارتفعت النفقات. وإنما تعنى توزيع الأعباء توزيعًا متوازنًا، تتحمل فيه الدولة نصيبها، ويتحمل الاقتصاد نصيبه، ويتحمل المواطن نصيبًا يتناسب مع قدرته، حتى يبقى الشعور بالإنصاف حاضرًا فى وجدان المجتمع.
وعندما ننظر إلى تجارب عدد من الدول النامية التى واجهت ظروفًا اقتصادية قريبة من الواقع المصرى، نجد أنها لم تجعل إصلاح قطاع الكهرباء مرادفًا لرفع الأسعار فقط، وإنما ربطته بحماية الاستهلاك الأساسى للأسر، وتوجيه الدعم إلى مستحقيه، والتدرج فى تطبيق الزيادات، حتى لا يتحول الإصلاح الاقتصادى إلى عبء اجتماعى يفوق قدرة المواطنين على الاحتمال.
وهنا تظهر نقطة تستحق التوقف.
هناك فرق جوهرى بين أن يُنظر إلى الإنسان باعتباره مستهلكًا، وبين أن يُنظر إليه باعتباره مواطنًا.
فالمستهلك هو رقم فى معادلة التكلفة والإيراد، أما المواطن فهو شريك فى الوطن، له حقوق كما عليه واجبات، وله كرامة يجب أن تظل حاضرة عند صناعة القرار.
والمواطن المصرى لا يطالب بخدمة مجانية، ولا يرفض أن يشارك فى تحمل أعباء الإصلاح، لكنه يتطلع إلى أن يشعر بأن هذا العبء موزع بعدالة، وأن القرارات الاقتصادية لا تنفصل عن الاعتبارات الاجتماعية والإنسانية.
فالاستقرار الاقتصادى لا يُبنى بالأرقام وحدها، وإنما يُبنى أيضًا بالثقة.
وثقة المواطن لا تنشأ من انخفاض الفاتورة أو ارتفاعها، بل من اقتناعه بأن القرار العام يوازن بين احتياجات الدولة وقدرات المجتمع، وأن العدالة ليست شعارًا يُرفع، وإنما ممارسة يشعر بها الناس فى حياتهم اليومية.
ولعل القضية لم تعد قضية كهرباء فقط.
إنها نموذج لطريقة إدارة العلاقة بين الدولة والمواطن فى زمن الإصلاح الاقتصادى.
فكلما اقتربت هذه العلاقة من ميزان العدالة، ازدادت قوة المجتمع، وازدادت قدرة الدولة على تنفيذ سياساتها بثقة وتوافق.
أما إذا غابت العدالة عن هذا الميزان، فإن الفجوة لا تُقاس بقيمة الفاتورة، وإنما بما تتركه فى النفوس من شعور بالإنصاف أو غيابه.
فالدولة القوية ليست تلك التى تنجح فى تحصيل فاتورة الكهرباء فحسب، بل تلك التى تنجح فى أن يبقى المواطن، وهو يسددها، مؤمنًا بأن العدالة ما زالت تضيء بيته قبل أن تضيء مصابيحه….
كاتبة المقال – وكيل أول وزارة سكرتير عام بالمعاش .. كاتبة مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعى الوطني.
اقرأ أيضا – نجوى العشيري تكتب: من زيِّ المدرسة… إلى زيِّ المسؤولية




