طارق مراد يكتب لـ«30 يوم»: ملحمة الفراعنة المونديالية ترد الاعتبار للخبرة الوطنية
ستبقي الملحمة التاريخية التي صنعها نجوم منتخبنا الوطني بقيادة مدربهم ابن مصر العميد حسام حسن وابهرت الجميع من جماهير وخبراء في عرس الكرة العالمية – ستبقي تلك الملحمة- خالدة في ذاكرة الكرة العالمية.. لأن مافعله نجوم منتخبنا وجهازهم الفني بالمونديال أثبت علي أرض الواقع أن هناك لحظات فارقة في تاريخ كرة القدم لا تُقاس بعدد الانتصارات أو الأهداف، وإنما بما تتركه من آثار في طريقة التفكير وصناعة القرار. وما حققه منتخب مصر في كأس العالم 2026 بالتأهل التاريخي إلى دور الـ16 لم يكن مجرد إنجاز رياضي غير مسبوق، بل كان شهادة عملية على أن الكفاءة المصرية قادرة على صناعة المعجزات عندما تجد الثقة والدعم، وأن الوقت قد حان للتوقف عن الانبهار بكل ما هو أجنبي، وإعادة الاعتبار لأبناء الوطن الذين أثبتوا أنهم الأقدر على قيادة الكرة المصرية.
لقد نجح العميد حسام حسن في إسكات كل الأصوات التي شككت في قدرته على قيادة منتخب مصر في أكبر محفل كروي في العالم. ودخل المونديال وهو يواجه ضغوطًا هائلة، لكنه خرج منه قائدًا لإنجاز سيدونه التاريخ بأحرف من ذهب، بعدما صنع منتخبًا امتلك شخصية البطل، وفرض احترامه على الجميع بفضل الانضباط التكتيكي، والروح القتالية، والإيمان بالقدرة على منافسة الكبار، ليؤكد أن المدرب الوطني ليس خيارًا اضطراريًا، وإنما مشروع نجاح متكامل إذا توافرت له الثقة.
ولأن الإنجازات الكبرى لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الاحتفال، جاء تحرك مجلس إدارة اتحاد الكرة برئاسة المهندس هاني أبو ريدة ليترجم الدرس الذي قدمه حسام حسن إلى قرارات عملية، تعكس إيمانًا حقيقيًا بالكفاءات الوطنية المصرية. فجاء تعيين الكابتن شوقي غريب مديرًا فنيًا للاتحاد ليؤكد أن تطوير الكرة المصرية يجب أن يقوده من يعرف تفاصيلها، وعمل داخل منظومتها، وشارك في صناعة أجيالها، ويملك رؤية واضحة لبناء مستقبلها.
كما جاء اختيار الكابتن عصام عبد الفتاح لرئاسة لجنة الحكام ليؤكد أن إصلاح منظومة التحكيم لن يتحقق باستقدام أسماء أجنبية لمجرد أنها أجنبية، وإنما بالاعتماد على خبرات وطنية تمتلك المعرفة الكاملة بطبيعة المسابقات المصرية، وتدرك حجم التحديات التي تواجه الحكام، وتعرف الطريق إلى تطويرهم وفق أسس علمية واحترافية.
ولعل أهم ما يمنح هذه القرارات قوتها أنها جاءت بعد تجارب أجنبية لم تحقق الهدف المنشود. فقد تعاقب على رئاسة لجنة الحكام خبير إنجليزي ثم آخر كولومبي، لكن النتائج لم تكن على مستوى التطلعات، ولم تختف الأخطاء التحكيمية، ولم يحدث التطور المأمول. وهو ما يؤكد أن النجاح لا يُستورد بجواز السفر، وإنما تصنعه الكفاءة والخبرة والقدرة على فهم الواقع.
إن الرسالة التي خرجت بها الكرة المصرية من مونديال 2026 واضحة وصريحة: الثقة في أبناء الوطن ليست مجاملة، وإنما استثمار ناجح أثبتت الأيام صحته. وما فعله حسام حسن مع منتخب مصر ومن قبله الجنرال الراحل محمود الجوهري والكابتن حسن شحاته ينبغي أن يتحول إلى منهج عمل داخل كل لجان اتحاد الكرة، لأن الخبرة المصرية، عندما تُمنح الفرصة كاملة، تستطيع أن تنافس، وتبدع، وتحقق ما عجزت عنه أسماء كثيرة جاءت من الخارج.
و يمكن القول أن اتحاد الكرة بدأ اليوم صفحة جديدة عنوانها الثقة قبل الاستعانة، والكفاءة قبل الاسم، والإنجاز قبل الجنسية. وإذا استمرت هذه الفلسفة، فإن ما تحقق في كأس العالم لن يكون نهاية الحكاية، بل بداية عصر جديد تعود فيه الكرة المصرية إلى مكانتها الطبيعية، بقيادة عقول وسواعد مصرية تعرف قيمة هذا الوطن، وتؤمن بأن صناعة المجد تبدأ من الإيمان بأبنائه.
اقرأ أيضا – طارق مراد يكتب: إسبانيا ترقص الفلامنكو علي أنقاض ميسي ورفاقه




