فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: الفنان هاني شنودة.. وداعًا نسيبنا وصهرنا
منذ أيام قلائل ودعنا ورحل عن عالمنا واحدا من أعلام الموسيقي في مصر والوطن العربي، الموسيقار الكبير هاني شنودة،
الفنان والموسيقار هاني شنودة من مواليد طنطا محافظة الغربية عام ١٩٤٣ وتخرج في كلية التربية الموسيقية ثم التحق بالمعهد العالي للموسيقي، الكونسرفتوار، ليكمل دراسته الموسيقية وفي عام ١٩٧٧ أسس أول فرقة موسيقية حديثة، المصريين، ليطلق شكلا جديدا خاصا به ويطلق العنان لتأليف الموسيقي فيبدع في أغنيات عدة لازلت أذكر إنها كانت المفضلة لدي ولدي جيلي بأكمله تقريبا، ماشية السنيورة، متحسبوش يا بنات إن الجواز راحة، وهى أغنيات تميزت بطابع موسيقي حديث وجديد بالإضافة إلى كلماتها المعبرة والرقيقة، والحقيقة إنني من عشاق الموسيقي بشكل كبير بكافة أشكالها ومتذوقة لها بالإضافة لدراستي لها في مراحل دراستي الأولي، وبالطبع لا يختلف أحد على براعة هاني شنودة الموسيقار والملحن ورشاقة ألحانه التي تأخذنا مع الكلمات لعالم من الخيال والسحر فقد قام بوضع الموسيقي التصويرية للكثير من الأعمال المميزة والشهيرة مثل الغول وغريب في بيتي والمشبوه فكانت موسيقاه تضفي معني وكأنك تقرأ الأحداث وتستشفها من مجرد سماع التيتر أو الموسيقي التصويرية فكنا نشعر في المشبوه وكأن الموسيقي تأخذنا في مطاردة ثأرية لا تنتهي، وفي موسيقي برنامج الكرة في الملعب تشعر وكأن الكرة تجري في ساحة الملعب بين أقدام اللاعبين، ومن ينسي الموسيقي التصويرية لشمس الزناتي والتي أخذتنا في مغامرة صحراوية شيقة ومثيرة، وعندما نستمع إلى “بحلم معاك” يشعرنا اللحن وكأننا بالفعل في حلم رومانسي رقيق.
وقد ظهر الراحل في احدي اللقاءات التليفزيونية مع الإعلامية مني الشاذلي وكان يشرح كيف أنه بالفعل كان يطلق تساؤلات من خلال أعماله وكأنها مقدمة للعمل الفني أو نبذة سريعة عن فكرته الأساسية.
كان الراحل بالفعل عذبا رقيقا ويجعلنا نذوب في عالم من الخيال مع لمساته الفنية الموسيقية الحساسة، كان دارسا مثقفا وواعيا وليس فقط هاويا، مع احترامي للهواة، ولكن عزز ذلك بدراسات أكاديمية وقراءات متعددة، فكان له أكثر من ١٥٠٠ عمل فني مختلف بين توزيع وتلحين ودفع بوجوه جديدة للساحة الغنائية هم علامات في سماء الغناء اليوم، وكان رائد التجديد الموسيقي بلا منافس تقريبا في هذه الفترة.
لم يكن الجانب الفني فقط هو كل ما يبهر في الراحل هاني شنودة وللحق ليس هو السبب الأساسي لأكتب عنه وأنعيه، ولكن الجانب الانساني الأكثر عذوبة ورقة وابهارا، طل علينا الراحل من خلال العديد من اللقاءات التليفزيونية بوجهه الطفولي ليحدثنا عن الاسلام والرابطة بين مسلمي مصر وأقباطها التي أوصانا رسولنا الكريم بألا تنفك، كان متحدثا راقيا وشفافا دون تعصب أو نفاق، لحن أناشيد وقصائد عدة في مدح رسولنا الكريم محمد صلي الله عليه وآله وسلم، أذكر منها “صلوا على خير الأنام” و “خايف”، وتباهي بذلك بل واعتبره واجبا عليه مستشهدا بكلمات الرسول “استوصوا بأقباط مصر خيرا فإن لنا فيهم نسبا وصهرا”، كان الراحل فخورا بنسبه ومصاهرته للرسول وضرب بذلك مثالا رائعا في الوحدة الوطنية والمودة والعلاقة الوثيقة بين قطبي الأمة دون صخب أو تشنج مفتعل، حدثنا في هدوء عن قيمة العمل وأهمية التفاني فيه واتقانه مستشهدا بحديث خير الأنام “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه”، رحل هاني شنودة دمث الخلق، تاركا سيرة طيبة تتحدث عنه وكلمات رقيقة أشعرتنا جميعا بصدق وعمق وتأصل روابطنا الانسانية والوطنية وسمو أخلاقيتنا ووحدة نسيجنا الوطني، وكأن وفاته جاءت لتؤكد وتذكرنا بكل هذه المعاني في وقت تطل علينا فيه من حين لآخر وجوه خسيسة تحاول أن تفكك وحدتنا وسر قوتنا بطرق دنيئة فتخرج لتبث سمومها قدر المستطاع ثم لا تلبث أن تختفي سريعا بعد فشل معتاد.
رحم الله نسيبنا وصهرنا وأدام علينا مثل تلك الأرواح الرقيقة والنفوس البريئة.
موضوعات ذات صلة
فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: كلمة حق ضد التيار
فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: المنتخب المصري.. خسارة بطعم الفوز



