الإعلامية الجزائرية د.كريمة الشامي تكتب لـ «30 يوم»: السيكوباث والسوسيوباث… هل يولد الإنسان مجرماً أم تصنعه الحياة؟
من أكثر المصطلحات التي انتشرت في السنوات الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعي كلمتا “سيكوباث” و**“سوسيوباث”**، حتى أصبح من السهل أن يُطلق هذا الوصف على أي شخص بارد المشاعر أو عدواني أو مؤذٍ. لكن الحقيقة العلمية أكثر تعقيداً بكثير، وأكثر دقة أيضاً.
في الطب النفسي، لا يوجد تشخيص رسمي يسمى “السيكوباث” أو “السوسيوباث” في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، وإنما يُشخَّص الشخص ضمن ما يعرف بـ اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (Antisocial Personality Disorder)، بينما يستخدم الباحثون مصطلحي “السيكوباثية” و”السوسيوباثية” لوصف أنماط مختلفة من هذا الاضطراب.
أولاً: الشخصية السيكوباثية (Psychopathy)
يرى كثير من الباحثين أن الشخصية السيكوباثية ترتبط بدرجة أكبر بالعوامل الوراثية والبيولوجية، مع وجود اختلافات في طريقة عمل بعض مناطق الدماغ المسؤولة عن معالجة الخوف والتعاطف واتخاذ القرار، مثل اللوزة الدماغية (Amygdala) والقشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex).
الشخص السيكوباثي قد يبدو هادئاً، ذكياً، لبقاً، وجذاباً في التعامل، لكنه يستخدم هذه الصفات غالباً للتلاعب بالآخرين وتحقيق مصالحه.
ومن أبرز سماته:
* غياب التعاطف الحقيقي.
* ضعف الشعور بالذنب أو الندم.
* قدرة عالية على الكذب والخداع.
* برودة انفعالية واضحة.
* التخطيط الدقيق قبل ارتكاب السلوك المؤذي.
* استغلال الآخرين دون تأنيب ضمير.
قد يعيش هذا الشخص حياة تبدو طبيعية، ويشغل مناصب مرموقة، بينما يمارس الاستغلال أو الإيذاء النفسي بطريقة يصعب اكتشافها.
ثانياً: الشخصية السوسيوباثية (Sociopathy)
أما السوسيوباثية فيعتقد عدد كبير من الباحثين أنها تتشكل بدرجة أكبر نتيجة الظروف البيئية القاسية، مثل:
* التعرض للعنف في الطفولة.
* الإهمال الشديد.
* الحرمان العاطفي.
* الصدمات النفسية المتكررة.
* التربية غير المستقرة.
لذلك يوصف السوسيوباث بأنه نتاج تفاعل الاستعدادات الشخصية مع بيئة مؤذية.
ومن صفاته الشائعة:
* اندفاعية كبيرة.
* سرعة الغضب والانفعال.
* صعوبة التحكم في السلوك.
* عدم احترام القوانين.
* علاقات اجتماعية مضطربة.
* قد يشعر بشيء من الندم تجاه بعض الأشخاص المقربين، لكنه يظل عاجزاً عن الالتزام بالمعايير الاجتماعية بشكل مستمر.
الفرق الأساسي بينهما
السيكوباث غالباً:
* أكثر هدوءاً.
* أكثر قدرة على التمثيل.
* أكثر تنظيماً في أفعاله.
* أقل إظهاراً للمشاعر.
أما السوسيوباث:
* أكثر اندفاعاً.
* أكثر انفجاراً في الغضب.
* أقل قدرة على إخفاء اضطرابه.
* يترك آثاراً واضحة في حياته الاجتماعية والعملية.
هل يولد الإنسان سيكوباثياً؟
لا توجد إجابة قاطعة حتى اليوم.
تشير الدراسات الحديثة إلى أن الشخصية تنتج عن تفاعل معقد بين:
* العوامل الوراثية.
* تركيب الدماغ.
* الهرمونات.
* البيئة الأسرية.
* الخبرات المبكرة.
* الصدمات النفسية.
ولهذا لا يمكن تفسير أي شخصية بعامل واحد فقط.
ماذا تقول الأبحاث؟
يعد الباحث الكندي روبرت هير من أبرز العلماء الذين درسوا السيكوباثية، وطور مقياساً علمياً مشهوراً يعرف باسم Psychopathy Checklist-Revised (PCL-R)، ويستخدم في الأبحاث والتقييمات الجنائية لتقدير السمات السيكوباثية.
كما أظهرت دراسات تصوير الدماغ وجود اختلافات وظيفية لدى بعض الأشخاص ذوي السمات السيكوباثية، خاصة في المناطق المرتبطة بالتعاطف والخوف وضبط الانفعالات، إلا أن هذه النتائج لا تعني أن كل من يملك هذه الاختلافات سيصبح مجرماً، فالسلوك الإنساني أكثر تعقيداً من أن يُختزل في صورة دماغية.
هل يمكن العلاج؟
يعد علاج اضطرابات الشخصية من أكثر مجالات الطب النفسي تعقيداً.
ويزداد احتمال التحسن عندما يُكتشف الاضطراب في وقت مبكر، مع وجود رغبة حقيقية في العلاج، وبرامج علاج نفسي طويلة الأمد، إضافة إلى معالجة الصدمات والاضطرابات المصاحبة إن وجدت.
أما الاعتقاد بأن كل شخص سيكوباثي أو سوسيوباثي هو مجرم خطير، فهو اعتقاد غير دقيق علمياً، لأن السلوك يتأثر بعوامل متعددة، وليس كل من يحمل سمات معينة يرتكب جرائم.
كلمة أخيرة
ليس كل شخص بارد المشاعر سيكوباثياً، وليس كل شخص سريع الغضب سوسيوباثياً، وليس من حق أحد أن يمنح تشخيصاً نفسياً عبر مقطع فيديو أو منشور على وسائل التواصل.
التشخيص النفسي عملية علمية دقيقة، تعتمد على مقابلات سريرية واختبارات متخصصة وتقييم شامل للسلوك والتاريخ الشخصي، ولا يمكن اختزالها في انطباع عابر أو وصف شائع.
حين نحترم العلم، نحمي الناس من الوصم، ونمنح الصحة النفسية المكانة التي تستحقها..
كاتبة المقال .. الإعلامية الدكتورة كريمة الشامي الجزائري … بروفيسورة في علم النفس – هيوستن.. الولايات المتحدة الأمريكية.
اقرأ أيضا




