توبكُتّاب وآراء

الإعلامية الجزائرية د.كريمة الشامي تكتب لـ «30 يوم»: الشخصية النرجسية… بين التشخيص العلمي والاتهام العشوائي

في السنوات الأخيرة، أصبحت كلمة “نرجسي” من أكثر الكلمات تداولًا على وسائل التواصل الاجتماعي. يكفي أن يختلف معك شخص، أو يرفض طلبًا، أو يدافع عن رأيه، حتى يُطلق عليه هذا الوصف بكل سهولة. وكأننا أصبحنا نوزّع التشخيصات النفسية كما نوزّع الآراء.

لكن الحقيقة العلمية مختلفة تمامًا.

اضطراب الشخصية النرجسية ليس صفة عابرة، وليس انطباعًا شخصيًا، ولا حكمًا يصدره الأصدقاء أو المتابعون أو حتى أفراد الأسرة. إنه اضطراب في الشخصية له معايير تشخيصية دقيقة، ولا يملك حق تشخيصه إلا مختص مؤهل في الطب النفسي أو علم النفس الإكلينيكي، بعد تقييم شامل قد يستغرق عدة جلسات.

من المهم أن نُدرك أن وجود بعض الصفات النرجسية لدى الإنسان لا يعني أنه مصاب باضطراب الشخصية النرجسية. فجميع البشر قد يمرون بلحظات يبحثون فيها عن التقدير، أو يشعرون بالفخر بإنجازاتهم، أو يرغبون في لفت الانتباه. هذه سلوكيات إنسانية طبيعية ما دامت لا تتحول إلى نمط دائم يؤثر في العلاقات والحياة اليومية.

ومن أبرز السمات التي قد تظهر لدى الشخصية النرجسية:

* الشعور المبالغ فيه بالأهمية الذاتية.

* الحاجة المستمرة للإعجاب والثناء.

* ضعف القدرة على التعاطف مع مشاعر الآخرين.

* استغلال العلاقات لتحقيق مصالح شخصية.

* الحساسية الشديدة تجاه النقد، حتى وإن أظهر الشخص عكس ذلك.

* الشعور بأنه يستحق معاملة استثنائية دون مبرر.

* الميل إلى التقليل من إنجازات الآخرين أو الشعور بالغيرة منهم.

لكن حتى اجتماع بعض هذه السمات لا يكفي لإطلاق التشخيص، لأن التشخيص يعتمد على الصورة الكاملة للشخص، ومدى استمرار هذه الأنماط وتأثيرها على حياته وعلاقاته.

المشكلة الحقيقية ليست في وجود الاضطراب، بل في الاستخدام الخاطئ للمصطلحات النفسية. فعندما تتحول المفاهيم العلمية إلى أوصاف يومية، فإننا نظلم أشخاصًا قد لا يعانون من أي اضطراب، وفي الوقت نفسه نُقلل من خطورة الاضطرابات النفسية الحقيقية التي تستحق فهمًا وعلاجًا متخصصًا.

إن الثقافة النفسية لا تعني أن نصبح أطباءً نفسيين، بل أن نتعلم احترام حدود المعرفة. فليس كل شخص أناني نرجسيًا، وليس كل شخص واثق بنفسه متكبرًا، وليس كل من يختلف معنا مريضًا نفسيًا.

لنستخدم المصطلحات العلمية بمسؤولية، ولنتذكر أن التشخيص أمانة، وأن الكلمة قد تؤذي إنسانًا أكثر مما نتخيل.

فالوعي الحقيقي لا يبدأ بإطلاق الأحكام، بل يبدأ بالتواضع أمام العلم، واحترام الإنسان، والإيمان بأن الصحة النفسية مجال تخصص، وليس ساحة تخمين وانطباعات…

كاتبة المقال .. الإعلامية الدكتورة كريمة الشامي الجزائري … بروفيسورة في علم النفس – هيوستن.. الولايات المتحدة الأمريكية

 اقرأ أيضا

الإعلامية الجزائرية د.كريمة الشامي تكتب لـ «30 يوم»: اضطراب ثنائي القطب أكثر من مجرد «تقلب مزاج»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى