توبكُتّاب وآراء

خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: حين رفض أصحاب القلم اغتيال الصحافة

في ذاكرة الصحافة المصرية معارك كثيرة، لكن قلة منها ارتقت إلى مستوى المعارك الفاصلة التي غيرت مسار العلاقة بين السلطة وحرية الرأي. ومن بين هذه المعارك تظل المواجهة الكبرى ضد القانون رقم 93 لسنة 1995، الذي وصفه الصحفيون بـ”قانون اغتيال الصحافة”، لأنه استهدف إرهاب الصحفيين بإخضاع الكلمة الحرة لمنطق العقاب، وتحويل الصحفي من باحث عن الحقيقة إلى متهم ينتظر السجن خلف كل عنوان أو تحقيق أو مقال.

لم يكن القانون مجرد تعديل تشريعي عابر، بل كان إعلاناً صريحاً عن رغبة السلطة التنفيذية في تضييق المجال العام وإحكام القبضة على الصحافة المستقلة والحزبية، عبر التوسع في عقوبات الحبس في قضايا النشر وإشهار سيف العقوبات الجنائية في وجوه الصحفيين. وكان واضحاً أن المطلوب ليس تنظيم المهنة، بل ترويضها، وليس حماية المجتمع، بل حماية المسؤولين من النقد والمساءلة.

وفوجئت السلطة بموقف الصحفيين حيث قرروا الصمود وخوض المعركة حتى نهايتها. وسرعان ما تحولت نقابة الصحفيين إلى خلية نضال يومية، وإلى قلعة وطنية للدفاع عن حرية التعبير. واكتشف الجميع أن النقابة ليست مجرد مبنى في وسط القاهرة، وإنما مؤسسة قادرة على توحيد أصحاب الأقلام عندما تصبح الحرية نفسها في خطر.

في تلك الأيام الاستثنائية سقطت الخلافات السياسية والمهنية، وتراجعت الانتماءات الحزبية أمام هدف أكبر هو حماية حق المصريين في المعرفة والكتابة دون خوف، فاحتشد الصحفيون داخل نقابتهم وخارجها، وانعقدت الجمعيات العمومية الحاشدة، وتعالت الأصوات الرافضة للقانون الذي اعتبره كثيرون أخطر اعتداء تشريعي على الصحافة منذ عقود.

وكانت جريدة الوفد في قلب هذه المواجهة. لم تكتف بتغطية الأحداث، بل أصبحت طرفاً أصيلاً في معركة الدفاع عن الحرية. فتحت صفحاتها للنقاش والمقاومة، وحولت معركة الصحفيين إلى قضية رأي عام، مؤكدة أن الدفاع عن حرية الصحافة هو دفاع عن حق المجتمع كله في الرقابة والمساءلة وكشف الحقائق.

و وقف الكاتب الصحفي الكبير جمال بدوي ” رحمه الله ” ، في مقدمة الصفوف محارباً جسوراً ، لم يستخدم قلمه للتعليق على الأحداث فقط، بل سخره كسلاح في مواجهة القانون. كانت مقالاته اليومية بمثابة جرس إنذار يدق في ضمير المجتمع ، وخطابات تعبئة تحفز الصحفيين على التمسك بمواقفهم وعدم الانحناء أمام الضغوط.

أدرك جمال بدوي أن معركة القانون 93 لم تكن معركة الصحفيين وحدهم، بل معركة مصر كلها. فحين تُكمم الصحافة يُفتح الباب واسعاً أمام الفساد، وحين يخاف الصحفي من النشر تتراجع الرقابة الشعبية على السلطة، وحين تصبح الكلمة جريمة يصبح الصمت هو القاعدة والخوف هو سيد الموقف.

لقد أثبتت تلك المواجهة أن السلطة مهما امتلكت من أدوات التشريع لا تستطيع أن تنتصر على إرادة جماعة مهنية موحدة تدافع عن حق مشروع. ومع اتساع دائرة الرفض داخل المجتمع، اضطرت السلطة إلى التراجع وإلغاء التشريع الذي أرادت به إخضاع الصحافة.

وكانت النتيجة أكبر من مجرد إلغاء قانون. فقد خرجت نقابة الصحفيين من المعركة أكثر قوة وتأثيراً، ورسخت مكانتها كواحدة من أهم مؤسسات المجتمع المدني المصري، بينما أدركت السلطة التنفيذية أن التعامل مع الصحفيين بمنطق الفرض والإملاء لن يؤدي إلا إلى مزيد من المواجهة والخسائر .

واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على تلك الوقفة التاريخية، لا تزال معركة القانون 93 حاضرة في الوجدان الصحفي المصري. ليس باعتبارها ذكرى مهنية فحسب، وإنما باعتبارها درساً سياسياً بالغ الأهمية تعلمنا منه أن الحرية لا تُمنح من أحد، وإنما تنتزع بالنضال، وأن النقابات الحية قادرة على حماية المجتمع كله عندما تدافع عن استقلالها وكرامتها.

لقد سقط القانون، لكن بقيت رسالته التحذيرية. فكل محاولة لتقييد حرية الصحافة، أياً كان شكلها أو مبرراتها، تعيد إلى الأذهان تلك الأيام التي وقف فيها الصحفيون المصريون صفاً واحداً دفاعاً عن الكلمة الحرة. وبقيت أسماء المناضلين الذين قادوا تلك المعركة، وفي مقدمتهم جمال بدوي ورجال جريدة الوفد، شاهدة على أن الصحافة المصرية كانت، وستظل، خط الدفاع الأول عن حق المصريين في المعرفة والحقيقة.

فالتاريخ لا يتذكر القوانين التي حاولت تكميم الأفواه، لكنه يتذكر دائماً أولئك الذين وقفوا في وجهها وانتصروا.

اقرأ أيضا

خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: حين تنسحب الثقافة.. من يحمي العقول؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى