توبكُتّاب وآراء

خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: حين تنسحب الثقافة.. من يحمي العقول؟!

القوة الناعمة المصرية لم تكن يومًا مجرد مصطلح سياسى أو إعلامى، بل كانت إحدى أهم أدوات الدولة المصرية فى بناء الوعى وترسيخ الهوية الوطنية ومواجهة الأفكار المتطرفة. فمنذ بدايات القرن العشرين، لعبت السينما والمسرح والكتاب والأغنية المصرية دورًا محوريًا فى تشكيل وجدان المواطن العربى، حتى أصبحت القاهرة عاصمة للإبداع وقِبلة الثقافة والفنون فى المنطقة بأسرها.

إلا أن المتابع للمشهد الثقافى المصرى خلال السنوات الأخيرة يلحظ حالة من التراجع أصابت كثيرًا من أدوات القوة الناعمة، ليس بسبب غياب المبدعين أو ندرة المواهب، وإنما نتيجة تراجع الاهتمام بالثقافة بوصفها قضية أمن قومى لا تقل أهمية عن ملفات الاقتصاد أو السياسة أو الأمن.

المسرح المصرى كان فى فترات سابقة مدرسة للتنوير والتثقيف ومناقشة القضايا المجتمعية الكبرى، وكانت فرق المسرح فى المحافظات والجامعات وقصور الثقافة تصل إلى القرى والنجوع وهى تحمل رسائل الوعى والانتماء. أما اليوم، فقد تقلصت المساحات المتاحة للعروض المسرحية، ووقفت الإمكانات المادية المحدودة عائقًا أمام إنتاج أعمال قادرة على جذب الجمهور ومنافسة المحتوى السطحى المنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعى والمنصات التى استحوذت على عقول الملايين.

الأمر ذاته ينطبق على السينما المصرية التى كانت لعقود طويلة القوة الثقافية الأكثر تأثيرًا فى العالم العربى. تراجع تأثيرها بعد أن قدمت أعمالًا مبتذلة بلا رؤى تنويرية فابتعدت عن قضايا المجتمع وتحدياته، حيث فرضت اعتبارات السوق والربح السريع سطوتها على جزء كبير من الإنتاج الفنى، ما أدى إلى تراجع الدور الثقافى والتربوى للفن لصالح أعمال لا تضيف كثيرًا إلى وعى المجتمع.

أما الكتاب، الذى كان يوصف بأنه خير جليس، فقد راح ضحية ارتفاع الأسعار وضعف معدلات القراءة وتراجع الدعم المخصص للنشر والترجمة وتوزيع الكتب. وفى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، بات اقتناء الكتاب رفاهية بالنسبة لقطاع واسع من المواطنين، وهو ما أدى لتراجع الثقافة الجادة لصالح المعرفة السريعة والمعلومات المبتورة المنتشرة على المنصات الرقمية.

وتبقى قصور الثقافة المثال الأكثر وضوحًا على أزمة العدالة الثقافية فى مصر. فهذه المؤسسات أنشئت بالأساس لتصل بالخدمات الثقافية إلى المواطنين فى المحافظات والمناطق البعيدة عن العاصمة، لكنها تعانى منذ سنوات ضعف التمويل ونقص الأنشطة وسوء الإدارة وقلة الكوادر والإمكانيات. والنتيجة حرمان ملايين المواطنين من حقهم الطبيعى فى المعرفة ومشاهدة كافة أنواع الفنون.

إن أخطر ما يترتب على تراجع الإنفاق الثقافى ليس فقط انكماش النشاط الفنى أو الأدبى، بل اتساع الفراغ الفكرى الذى يشكل بيئة خصبة لانتشار الأفكار المتطرفة والشائعات وخطابات الكراهية. فالثقافة ليست ترفًا يمكن الاستغناء عنه فى أوقات الأزمات الاقتصادية، بل هى خط الدفاع الأول عن العقل الوطنى، والحصن الذى يحمى المجتمع من الانغلاق والتعصب والتطرف.

لقد أثبتت التجارب أن مواجهة التطرف لا تتم فقط عبر الإجراءات الأمنية، وإنما من خلال بناء الإنسان وتنمية وعيه وتوسيع مداركه وإتاحة المعرفة والفنون له. فكل مكتبة تُفتح، وكل مسرح يُضاء، وكل كتاب يصل إلى يد قارئ، يمثل خطوة حقيقية فى معركة الوعى التى لا تقل أهمية عن أى معركة أخرى تخوضها الدولة.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة النظر فى أولويات الإنفاق العام بما يضمن زيادة المخصصات الموجهة للثقافة، وتطوير البنية التحتية الثقافية، وإحياء دور قصور الثقافة، ودعم المسرح الجاد، وتشجيع صناعة الكتاب، وتحفيز الإنتاج السينمائى الذى يجمع بين الجودة الفنية والرسالة المجتمعية.

إن الأمم لا تُقاس فقط بحجم مشروعاتها الاقتصادية أو قدراتها العسكرية، وإنما أيضًا بما تمتلكه من تأثير ثقافى وحضارى. ومصر التى صنعت وجدان أمة كاملة لعقود طويلة، تستحق أن تستعيد مكانتها الثقافية الرائدة، وأن تستثمر فى قوتها الناعمة باعتبارها أحد أهم أسلحة المستقبل، وأحد أهم الضمانات لحماية المجتمع والحفاظ على هويته الوطنية فى مواجهة كل أشكال التطرف.

Khalededrees2020@gmail.com

 اقرأ أيضا

خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: محاصرة الإبداع داخل أسوار الجامعة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى