توبمنوعات

نسائم الجمعة.. مشهد واحد في القرآن… انبهار الهداية وانبهار الضياع

كتب- رامز حافظ

هل توقفت يومًا أمام قصة ملكة سبأ وتساءلت:

لماذا سجّل القرآن تلك اللحظة العجيبة التي كشفت فيها عن ساقيها؟

وما الرسالة التي أراد الله أن تصل إلينا عبر هذا الموقف القصير؟

حين وصلت ملكة سبأ إلى قصر نبي الله سليمان عليه السلام، كانت تستعد للقاء ملكٍ عظيم…

لكن ما رأته أمامها كان فوق كل تصور!

أرضية شفافة من زجاج نقي، تجري المياه من تحتها في منظر يخطف الأبصار ويأسر العقول.

ظنّت للحظة أنها تقف أمام بحرٍ عميق، فتحركت بعفوية الإنسان حين يفاجئه أمر لم يتوقعه، وكشفت عن ساقيها حتى لا يبتل ثوبها.

لكن المفاجأة كانت أكبر…

فلم يكن ما رأته بحرًا!

بل كان صرحًا هندسيًا مهيبًا، صنعه الله سببًا ليُظهر لها جانبًا من النعمة والعلم الذي آتاه لنبيه سليمان عليه السلام.

عندها أدركت أن الأمر أعظم من ملكٍ وسلطان… وأكبر من حضارةٍ وقوة…

وأعمق من مجرد إعجاب بإنجاز مادي.

لقد أدركت أن من يقف أمامها نبيٌّ مؤيد من الله.

فانكسر حاجز الكِبر… وسقطت أوهام القوة…

وخضعت الحقيقة في قلبها.

وقالت كلماتٍ خلدها القرآن إلى يوم القيامة:

﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

تأملوا هذا المشهد جيدًا…

ملكة عظيمة…

وصاحبة مُلكٍ واسع…

وقائدة أمة كاملة…

لكنها حين رأت الحق، لم يمنعها منصبها ولا مكانتها من الاعتراف به.

مصطفى محمود: تواضع العظماء أمام الحق

وتناول الدكتور مصطفى محمود قصة “ملكة سبأ” (بلقيس) في كتاباته وتأملاته القرآنية، وتحديداً في سياق تعقيبه على الآية الكريمة:

(قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا).

لافتا أن دلالة “كشف الساق” هي حركة عفوية لملكة سبأ برفع ثيابها ظناً منها أن الأرضية الزجاجية ماء جارٍ، بأنها تعبير فطري عن “الستر”، حيث أظهرت هذه اللحظة العابرة مدى تمسكها بالحشمة والأخلاق الكريمة رغم أنها لم تكن قد أسلمت بعد.

و يرى الدكتور مصطفى محمود أن القرآن الكريم أبرز من خلال هذه القصة عظمة شخصية الملكة؛ فهي لم تكن مجرد امرأة تعتمد على المظاهر أو الإغراء، بل جاءت تحاور النبي سليمان استناداً إلى قوتها السياسية، ومنطقها، وعقلها الراجح.

ويؤكد أن انبهارها بصرح سليمان ثم إدراكها للحقيقة، قادها فوراً إلى الاعتراف بعظمة نبي الله وتسليمها الكامل، وهو ما يعكس تواضع العظماء أمام الحق، كما ورد في الآية: “قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”.

والأجمل من ذلك…

أن القرآن لم يذكر هذا الموقف ليطعن في شخصيتها أو ينتقص من قدرها.

بل ليُظهر إنسانيتها وعفويتها، وكيف يمكن للحظة صدق واحدة أن تغيّر مصير إنسان بالكامل.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة في زماننا…

فملكة سبأ انبهرت بإنجازٍ عظيم قادها إلى الإيمان بالله…

بينما ينبهر كثيرون اليوم بمظاهر زائفة تقودهم بعيدًا عن القيم والمبادئ.

انبهرت ملكة سبأ بالحقيقة…

فاهتدت.

وانبهر آخرون بالموضة العابرة…

فضاعت البوصلة.

انبهرت بعظمةٍ كشفت لها الطريق إلى الله…

بينما ينبهر البعض اليوم بما يسلب منهم الحياء والوقار والهوية.

ولهذا يبقى القرآن مدرسةً لا تنتهي دروسها…

فمن تأمل قصصه بعين القلب، أدرك أن العبرة ليست فيما تراه العيون فقط…

بل فيما يوقظه المشهد من معانٍ في النفس.

إن الستر قيمة… والحياء زينة… والعقل نور… والإيمان أعظم ما تتزين به القلوب.

فلا تجعل بريق المظاهر يخطف بصيرتك، ولا تسمح للانبهار المؤقت أن يحجب عنك الحقائق الخالدة.

فلنعد إلى القرآن نتعلم منه كيف نرى الأشياء على حقيقتها، وكيف نفرق بين انبهارٍ يقود إلى الهداية، وانبهارٍ يقود إلى الضياع.

اللهم ارزقنا بصيرةً ترى الحق حقًا فنتبعه، وترى الباطل باطلًا فنجتنبه، واجعلنا ممن يهتدون بنور كتابك في زمن كثرت فيه الفتن…

 اقرأ أيضا

نسائم الجمعة.. حين تحط الشمس على مسافة ميل ولاتملك إلّا ما نسجته في العتمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى