كُتّاب وآراء

ناصرعبدالحفيظ يكتب: ماذا لو كتب صبري نخنوخ مذكراته؟

ماذا لو قرر الرجل الذي ظل اسمه لعقود يتردد في الكواليس أكثر مما يتردد في العلن، أن يجلس ذات ليلة أمام مكتب خشبي قديم، ويكتب مذكراته بلا حذف ولا تنقيح؟

ماذا لو فتح الصندوق الأسود الذي حمله فوق كتفيه سنوات طويلة؟

ربما لن تكون تلك المذكرات مجرد قصة رجل صعد من القاع إلى القمة، بل ستكون شهادة على زمن كامل، وعلى طبقات متعددة من المجتمع المصري، من الأزقة الشعبية إلى القصور المغلقة، ومن المقاهي البسيطة إلى الغرف التي تُصنع فيها القرارات الكبرى.

قد يبدأ الكتاب من طفل عرف مبكرًا أن الحياة ليست عادلة دائمًا، وأن الشارع مدرسة قاسية لا تمنح شهادات، لكنها تمنح خبرة لا تدرسها الجامعات. طفل تعلّم كيف يقرأ الوجوه قبل الكلمات، وكيف يميز بين الصديق والخصم من نظرة عابرة.

ثم تنتقل الصفحات إلى عالم النفوذ والمال والعلاقات المتشابكة، حيث يلتقي رجال الأعمال بالسياسيين، ويلتقي أصحاب السلطة بمن يبحثون عن الحماية أو النفوذ أو حل المشكلات التي لا تُحل بالطرق التقليدية.

لو كتب مذكراته، ربما سنقرأ عن شخصيات لم تظهر يومًا أمام الكاميرات، لكنها كانت أكثر تأثيرًا من كثير ممن ملأوا الشاشات والجرائد. سنقرأ عن صفقات تمت في صمت، وأزمات جرى احتواؤها بعيدًا عن الأضواء، وحكايات لا يعرفها إلا أصحابها.

وربما ستكون أكثر الفصول إثارة هي تلك التي تتحدث عن الوجه الآخر للقوة؛ الوجه الذي يدفع صاحبه إلى العيش دائمًا بين دائرة النفوذ ودائرة الخطر. فكلما اقترب الإنسان من الأسرار، أصبح هو نفسه سرًا يجب مراقبته.

وقد يكتب عن لحظات شعر فيها أنه لاعب أساسي في المشهد، ثم اكتشف أن اللاعبين الكبار يمكن استبدالهم متى تغيرت قواعد اللعبة. فالتاريخ مليء برجال ظنوا أنهم جزء من المعادلة، ثم وجدوا أنفسهم مجرد فصل فيها.

ولو تحدث بصراحة كاملة، فقد لا تكون المفاجأة في الأسماء التي يذكرها، بل في طبيعة العلاقات بين السلطة والمال والنفوذ والمصالح، وكيف تتحرك الأشياء أحيانًا بعيدًا عما يراه الناس على السطح.

لكن ربما يكون أهم ما في تلك المذكرات ليس ما ستكشفه عن الآخرين، بل ما ستكشفه عن صاحبها نفسه: هل كان صانعًا للأحداث أم مجرد أداة فيها؟ هل كان يملك زمام الأمور أم كان يتحرك داخل حدود مرسومة له؟ وهل كان يدرك منذ البداية أن نهاية كل رجل يعرف الكثير قد تكون العزلة أو الصمت أو المحاسبة؟

في النهاية، لو كتب صبري نخنوخ مذكراته حقًا، فقد لا يكون الكتاب مجرد سيرة ذاتية لرجل مثير للجدل، بل رواية كاملة عن مرحلة ، يختلط فيها الواقع بالأسطورة، والحقيقة بالشائعات، والنفوذ بالمصير.

وربما بعد الصفحة الأخيرة سيظل السؤال قائمًا:

كم من الأسرار مع أصحابها، وكم من الحكايا التي لو خرجت إلي العلن لانقلبت الأمور رأسا علي عقب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى