د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: مصر بين التهديد الوجودي والتهديد الحدودي!!
رغم أن هناك فرقاً شاسعاً بين “التهديد الحدودي” و”التهديد الوجودي” إلا أن هناك علاقة إرتباطية بين الأمرين تجعل وقوع الأخير نتيجة حتمية للتفريط فى مجابهة الأول لاسيما فى ظل وجود كيانٍ لدولة مارقة فى الإقليم لم يسلم جيرانها من عدوانها التوسعي المستمر .. !!
فالتفريط فى مجابهة التهديد الحدودي الذى يشكله هذا الكيان فى مناطق قريبة من تخوم الدولة المصرية خاصة فى الشام وباب المندب والقرن الأفريقى وإثيوبيا، يشجع هؤلاء المتربصين على التحول إلى التهديد الوجودي ونقل عدائهم إلى ضفاف النيل لا قدر الله ..
لذلك كان من رشادة الدولة المصرية الحديثة تبنى “إستراتيجية الردع” التى وفرت أسباب نجاحها من قُوت أبنائها وشعبها لحماية الوطن ، إنطلاقاً من حقيقة مفادها : “إن أردت أن تمنع الحرب فإستعد لها ” ..
لقد تكلمت المتحدثة الرسمية بإسم جيش الكيان كابتن إيلا وبكل أريحية عن حربهم فى لبنان وسوريا مؤكدة أن جيش الإحتلال بدأ بالفعل تدريجياً وبنظام الخطوة خطوة يتمترتس على هذه الأراضي فى البلدين لتهويدها..
وطبقاً لنظرية الأمن المصري التاريخية منذ عهد الفراعنة مروراً بعصر محمد على باشا وصولاً إلى العصر الحديث حيث رشادة ويقظة القيادة السياسية فإن الشام (سوريا ولبنان) هى العمق الإستراتيجي الأول والأهم للأمن القومى المصرى من جهة الشمال ، وأن أى التهديد أو السيطرة على هذه المناطقة يعني إنكشاف الأمن العسكري المصري ، وأن سقوط هذه الجبهات يمنح العدو الإسرائيلي قواعد عسكرية ومطارات ومراكز تجسس وإستطلاع أقرب ، بما يزيد من قدرته على مجابهة الدولة المصرية والضغط عليها سياسياً وعسكرياً ..
وتطبق مصر عبر العصور قاعدة مفادها أن تحارب التهديد فى الشام أفضل من أن تحاربه على ضفاف النيل أو فى سيناء ، بما يعنى نقل خط المواجهة والتهديد مباشرة إلى حدودك وتجريدك من أى منطقة عازلة تمنحك فسحة فى الوقت والمساحة للمناورة والتحرك ..
فمجابهة التهديد الحدودي هو ما دفع بالدولة المصرية إلي إجراءات فى الصومال بإرسال نحو 15 ألف جندي بعد تواجد الكيان الإسرائيلي رسمياً فى إقليم بورتلاند الإنفصالي شمال الصومال في محاولة لخنق باب المندب وقناة السويس ومحاولاته لتحريض أثيوبيا وتزويدها بمدفعية ومسيرات لحماية “سد الخراب” الأثيوبي ، وإفشال محاولات أثيوبيا بدعم من الكيان للتحرش بإرتريا ، وإستمرار دعم قوات حميديتي فى السودان وسد ثغرة ليبيا لتزويده بالسلاح ، وبذل الجهد الدبلوماسي واللوجستي لوقف الحرب على إيران ..
فالسقوط لهذه المناطق سواء فى الشام أو فى أفريقيا فى يد المحتل يحول التهديد من تهديد حدودي يمكن إحتواؤه إلى تهديد وجودييطوق الدولة من إتجاهات متعددة ، بما يستنزف موارد الدولة المصرية الإقتصادية والعسكرية نتيجة للجوء إلي حالة الإستنفار الدائم ، لأن العدو فى هذه الحالة سيمتلك عمقاً جغرافياً يمتد من المتوسط حتى حدود العراق …
غير أن هذا الكيان المارق يحاول الآن إستخدام أذرعه فى أثيوبيا والسودان وليبيا للضغط على مصر من كل الجبهات فضلاً عن قطاع غزة .. وقد يكون الخيار أمام الدولة المصرية فى طريقين : الأول الإنكفاء والعزلة حفاظاً علي الدولة بما قد ينطوي علي مخاطر أقوي على مصر ويصعب الأمور عليها ، لأن إسرائيل وأمريكا لن تقبلا بوجود دولة مسلمة وسطيةتتقدم وتتعاظم قوتها ويكون لها السيطرة في الشرق الأوسط ، ولهذا تم إشعال المنطقة بالحرب مع إيران ، والطريق الثانى هو تعامل الدولة المصرية بكل جدية مع تحديات التهديد الحدودي وتعطيل العربدة الصهيونية فى المناطق المؤثرة علي الأمن القومي المصري وإجهاض تقدمها ، فالكيان يحاول بكل قوة إشغال مصر بأى نزاع داخلى وخارجى ..
ولكنها رشادة القيادة السياسية المصرية فيحُسن تصريف الأمور والنفع والبلوغ العقلى وإصابة وجه الحقيقة والسداد والسير فى الإتجاه الصحيح .. فإن هيأ اللهلك أسباب الرُشد ، فقد هيأ لك أسباب الوصول إلى النجاح الدنيوى والأخروى ..
ومن حُسن الطالع ، أن حبا الله مصر بقيادات سياسية وطنية “رشيدة”، جعلتهم يُحَوِلون معاركهم مع الأعداء والمتنمرين المتربصين بمصر وشعبها وترابها ، من معاركٍ للدفاعإلى معارك فرض الإرادة الوطنية وإحترام السيادة والأمن القومي، لدرجةٍأجهضت خططهم وسيناريوهاتهم وأربكت حسابات وأفكار القوة الأكبر الظالمة تجاه الفلسطينيين ..
لقد أدرك أصحاب هذه الرشادةالمصرية منذ اللحظة الأولى حقيقة : إما أن تكون تابعاً تُنفذ الأوامر من االقطب الواحد وتقف ضمن طابور التابعين الصامتين فى المنطقة الذين تراوحوا بين فاقد للسيادة على أرضه وآخر مُحتل أرضه وآخر خاضع للإبتزاز ، وما أيسرها ، وإما أن تفرض إرادتك بقوة وتمارس حق سيادتك على أرضك وتستقل بقرارك وتحفظ أمنك وترابك، وما أصعبها ..
وبالطبع ما كان لهذا الرشاد القيادى المصرى ليتحقق وهذا الإصطفاف المجتمعى ليتعزز ، إلا في ظل وجود قوة ردع عسكرية عفية تحمي الوطن وتؤكد إستقلالية قراره ، تلك القوةقد أفسدت نظرية الضربة الإستباقية للعدو الصهيوني كعادته الذميمه مع الجيران الضعفاء والتطاول والعدوان عليهم وقت ما يحلو له بمباركة أمريكية عمياء …
( كاتب المقال د. محمد المنشاوي سياسي وأديب ، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الاوسط للشؤون الدولية والتعاون الدولي ، وكبير محرري شئون رئاسة الجمهورية سابقًا ، والحائز على جائزة “ملهم الدولية – وشخصية العام لسنة ٢٠٢٤ ” فى مجال الإعلام الهادف والتثقيف السياسي ” من منتدى رواد الأعمال العرب).
اقرأ أيضا
د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: حكيم حكماء العرب و «الفتى» المعجزة !




