الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: أخيرًا.. الرجل المناسب في المكان المناسب
في خطوة تُعد من أهم خطوات الإصلاح الإداري الحديث، جاء قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1509 لسنة 2026 ليضع حجر الأساس لمرحلة جديدة في اختيار القيادات الحكومية داخل الجهاز الإداري للدولة، مرحلة عنوانها الحقيقي: الكفاءة قبل المجاملة، والخبرة قبل العلاقات، والقدرة على الإنجاز قبل الأقدمية الشكلية.
القرار الجديد لم يكن مجرد تعديل إداري عابر في اللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية، بل يمثل تحولًا جذريًا في فلسفة إدارة الدولة لمناصبها القيادية، بعد سنوات طويلة عانى فيها المواطن من آثار الاختيار غير الدقيق لبعض القيادات، وهو ما انعكس على مستوى الخدمات وتعقيد الإجراءات وضعف الأداء في بعض المؤسسات.
اليوم، يبدو أن الدولة المصرية تتجه بوضوح نحو ترسيخ مفهوم “الرجل المناسب في المكان المناسب”، ليس كشعار إعلامي، بل كنظام مؤسسي قائم على معايير دقيقة وقابلة للقياس.
منظومة تقييم حقيقية لاختيار القيادات
أبرز ما يلفت الانتباه في القرار هو اعتماد نظام تقييم شامل بإجمالي 100 درجة، يهدف إلى قياس الكفاءة الحقيقية للمتقدمين للمناصب القيادية والإشرافية.
هذا التقييم لا يعتمد فقط على السيرة الوظيفية أو سنوات الخبرة، بل يمتد ليشمل:
القدرات العلمية والفكرية
التاريخ الوظيفي والإنجازات السابقة
السمات القيادية والشخصية
الرؤية التطويرية العملية لتحسين الأداء المؤسسي
وهنا تظهر أهمية النقلة النوعية في التفكير الإداري؛ فالقائد لم يعد مجرد موظف قضى سنوات طويلة في العمل، بل أصبح مطلوبًا منه أن يكون صاحب رؤية وقدرة على التطوير وصناعة التغيير.
المقترح التطويري.. اختبار حقيقي للقيادة
من أهم النقاط الإيجابية في القرار اشتراط تقديم كل متقدم “مقترحًا تطويريًا عمليًا” لتحسين الأداء وتبسيط الإجراءات وتحقيق رضا المواطنين.
هذا الشرط تحديدًا يكشف أن الدولة لم تعد تبحث عن مدير تقليدي يدير الملفات الروتينية، بل عن عقل إداري قادر على الابتكار وحل المشكلات وتحقيق نتائج ملموسة.
فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد سنوات الخدمة، وإنما بقدرة الشخص على اتخاذ القرار، وتطوير المؤسسة، وتحسين جودة الخدمة المقدمة للمواطن.
التدريب قبل المنصب.. فلسفة الدول الحديثة
القرار أيضًا ألزم المرشحين باجتياز التدريب بالأكاديمية الوطنية للتدريب قبل صدور قرار التعيين، وهي خطوة شديدة الأهمية، لأن الإدارة الحديثة أصبحت علمًا قائمًا بذاته، يعتمد على مهارات الاتصال، وإدارة الأزمات، والتخطيط الاستراتيجي، والتحول الرقمي، وقياس الأداء.
في الدول المتقدمة، لا يتولى المناصب القيادية إلا من خضع لتأهيل احترافي حقيقي، وهو ما تسعى إليه الدولة المصرية حاليًا من خلال بناء كوادر قادرة على التعامل مع تحديات العصر.
إنهاء عصر “الصدفة الإدارية”
الإعلان عن الوظائف القيادية قبل خلوها بستة أشهر، وتحديد مدة واضحة لاستقبال الطلبات، ثم إلزام الجهات بإنهاء إجراءات الاختيار خلال ثلاثة أشهر، كلها مؤشرات على أن الدولة تتجه لإنهاء العشوائية والارتجال في شغل المناصب المهمة.
كما أن إشراك خبراء في القانون والموارد البشرية داخل لجان الاختيار يعزز من الشفافية والحيادية ويقلل من احتمالات المجاملات أو الاختيارات غير الموضوعية.
المتابعة والمحاسبة.. الأهم بعد الاختيار
القرار لم يتوقف عند مرحلة التعيين فقط، بل أقر المتابعة السنوية لأداء القيادات وقياس مدى تنفيذ خططهم التطويرية قبل التجديد لهم.
وهذه نقطة فارقة؛ لأن بعض القيادات كانت تحصل على المنصب دون وجود آلية حقيقية لمحاسبتها على النتائج.
أما الآن، فإن الاستمرار في المنصب أصبح مرتبطًا بالأداء والإنجاز وتحقيق المستهدفات، وهو ما يعزز ثقافة المسؤولية والمساءلة داخل الجهاز الإداري.
الجمهورية الجديدة والإدارة الحديثة
ما يحدث اليوم يعكس بوضوح أن الجمهورية الجديدة لا تُبنى بالمشروعات فقط، بل بالعقول القادرة على إدارة هذه المشروعات بكفاءة واحترافية.
فالإصلاح الإداري هو العمود الفقري لأي تنمية حقيقية، وأي دولة تسعى للتقدم لا بد أن تبدأ بإصلاح منظومة اختيار قياداتها، لأن القرار الصحيح يبدأ دائمًا من الشخص المناسب في الموقع المناسب.
إن هذا القرار قد يكون بداية حقيقية لصناعة جيل جديد من القيادات الحكومية يؤمن بالعمل والعلم والكفاءة والنتائج، وهي المعايير التي تحتاجها مصر في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها.
وفي النهاية، يبقى الأمل أن تتحول هذه النصوص إلى ممارسة فعلية على أرض الواقع، وأن يشعر المواطن بثمار هذا التطوير في صورة خدمات أسرع، وإجراءات أبسط، ومؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على الإنجاز.
حينها فقط نستطيع أن نقول بثقة:
لقد وصل أخيرًا… الرجل المناسب إلى المكان المناسب.
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي
اقرأ أيضا
الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: ادي العيش لخبازه




