أحمد عزت يكتب لـ «30 يوم»:كيف يخرج الأهلي من دوامة المدربين؟
▪️︎ في كرة القدم الحديثة، لم تعد السمعة تُبنى فقط بالبطولات، بل أيضاً بطريقة الإدارة، والاستقرار، واحترام العقود، والقدرة على صناعة بيئة عمل تمنح المدرب الثقة قبل أن تمنحه الراتب. ومن هنا تحديداً، تبدو أزمة الأهلي الحالية أعمق كثيراً من مجرد البحث عن بديل للمدرب الدنماركي ييس توروب، الذي بات رحيله مسألة وقت مهما اختلفت طريقة النهاية.
المشكلة الحقيقية أن الأهلي سيدخل أي مفاوضات مقبلة وهو يحمل أمام المدربين الأجانب ملفاً ثقيلاً من القرارات المرتبكة والتجارب القصيرة والنهايات المتوترة. وفي عصر أصبحت فيه المعلومة متاحة بضغطة زر، لن يدخل أي مدرب كبير إلى طاولة التفاوض دون مراجعة تاريخ النادي مع مدربيه خلال السنوات الأخيرة.. وعندما يحدث ذلك، ستكون الصورة مقلقة.
▪️︎ منذ التعاقد مع الفرنسي كارتيرون في يوليو 2018 ثم إقالته بعد 4 أشهر، مروراً بلاسارتي الذي قضى 7 أشهر فقط، ثم البرتغالي سواريش الذي لم يُمنح سوى 17 مباراة، ثم ريبيرو الذي انتهت تجربته بعد 7 مباريات فقط، وصولاً إلى توروب الذي عاش معه جمهور الأهلي تجربة مريرة، فإن الرسالة التي تصل لأي مدرب أجنبي واضحة للغاية: الأهلي لا يملك صبراً طويلاً، والإقالة قد تأتي مع أول تعثر، وفقدان بطولة دوري أبطال أفريفيا بالتحديد سيكون ثمنه الإطاحة برأس المدرب.
الأخطر من ذلك أن حتى التجارب الناجحة لم تنتهِ بصورة مستقرة. السويسري مارسيل كولر، رغم حصده 11 بطولة، رحل قبل اكتمال الموسم وفي أجواء متوترة عقب الخروج من نصف نهائي دوري الأبطال، بينما غادر موسيماني في منتصف الموسم متحدثاً عن ضغوط نفسية وحالة إنهاك. وبالتالي فإن أي مدرب كبير سيقرأ المشهد من زاوية مختلفة تماماً؛ لن يرى فقط حجم الأهلي وبطولاته وإنجازاته الضخمة، بل سيرى أيضاً بيئة عمل قد تتحول سريعاً إلى منطقة خطر.
▪️︎ ولهذا، من الطبيعي أن يطالب أي مدرب أجنبي بشروط جزائية ضخمة، وضمانات مالية معقدة، وتعويضات قاسية في حال الإقالة المبكرة. المدرب يريد حماية نفسه، لأنه ببساطة لا يثق في استقرار التجربة. وهنا تبدأ الحلقة المفرغة: الأهلي يتعاقد تحت ضغط، ثم يقيل تحت ضغط، ثم يدفع ملايين جديدة للخروج من الأزمة، ثم يعود للبحث عن مدرب آخر بشروط أكثر قسوة.
▪️︎▪️︎ لكن السؤال الأهم الآن: كيف يخرج الأهلي من هذه الدوامة؟
▪️︎ الإجابة تبدأ من نقطة جوهرية للغاية: حسن الاختيار.
الأهلي ليس نادياً لتجارب المدربين المغمورين من أمثال توروب وريبيرو، ولا مساحة لمشروعات صفرية تحتاج سنوات من التعلم. الحديث عن «المشروع» و«بناء الفريق» قد يصلح في أندية متوسطة تبحث عن هوية، لكنه لا يناسب نادياً يعيش تحت ضغط البطولات كل موسم. المشروع الحقيقي والوحيد في الأهلي هو الاستمرار في حصد الألقاب، وليس منح مدرب مجهول فرصة لاكتشاف نفسه.
ولذلك، لا يكفي أبداً أن تنبهر الإدارة بعرض تقديمي أو أرقام على «ترانسفير ماركت».. أي شخص يستطيع جمع إحصائيات جيدة، لكن التقييم الحقيقي يبدأ من التفاصيل الأعمق: كم نادياً درب هذا المدرب؟ ما متوسط بقائه؟ هل أكمل مشاريعه أم هرب سريعاً؟ كيف كانت علاقته بالإدارة؟ كيف يتصرف تحت الضغط؟ وهل يتحمل المسؤولية وقت الفشل أم يبحث عن الأعذار؟ كيف يتعامل مع الأشخاص من حوله؟ وكيف يتعامل وقت التعاقد ووقت الرحيل؟.
هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن نسب الاستحواذ وعدد الانتصارات.
▪️︎ كما أن التواصل المباشر مع إدارات الأندية السابقة للمدرب يجب أن يكون جزءاً أساسياً من عملية الاختيار، لأن الشخصية أحياناً تكون أهم من الجانب الفني.
الأهلي يحتاج مدرباً يعرف طبيعة الأندية الكبرى، ويتحمل الضغط، ويفهم أن العمل في نادٍ بحجم القلعة الحمراء لا يحتمل الهشاشة النفسية أو التردد.
وفي المقابل، إذا كان المدرب يطلب حماية نفسه عبر شروط جزائية ضخمة، فمن حق الأهلي أيضاً أن يحمي مؤسسته. النادي الكبير لا يجب أن يدخل أي تعاقد وهو الطرف الأضعف في العقد.
من غير المنطقي أن يصبح الشرط الجزائي حقاً مطلقاً للمدرب مهما كانت النتائج. العقود الاحترافية الحديثة تُبنى على الأهداف، والأهلي يملك الحق الكامل في ربط استمرار المدرب بتحقيق الحد الأدنى من الطموحات المطلوبة.
فمثلاً، ماذا لو خرج الفريق مبكراً من دوري أبطال أفريقيا؟ ماذا لو فشل في بلوغ نصف النهائي؟ ماذا لو انتهى الموسم بلا دوري ولا بطولة قارية؟ هل يدفع النادي كامل العقد رغم الفشل الكامل؟
▪️︎ هنا يجب أن تكون البنود واضحة وصارمة. من حق الأهلي أن يحدد حالات الإنهاء المبكر، وأن يقلّص قيمة الشرط الجزائي إذا فشل المدرب في تحقيق الأهداف المتفق عليها. النجاح يجب أن يكون مفتاح الامتيازات، والفشل يجب أن تكون له تبعات حقيقية، لا أن يتحول إلى مكافأة مالية ضخمة.
كذلك، فإن أزمة مواعيد العقود التي ظهرت بوضوح مع توروب تكشف ضعفاً إدارياً لا يليق بنادٍ بحجم الأهلي. من الطبيعي أن تكون نهاية العقد مرتبطة بنهاية الموسم الفعلية، لا بتاريخ جامد قد يخلق أزمات قانونية أو مالية لاحقاً. هذه التفاصيل البسيطة هي التي تصنع الفارق بين الإدارة الاحترافية والإدارة المرتبكة.
▪️︎▪️︎ وفي النهاية، الأهلي لا يعاني فقط من أزمة مدرب، بل من أزمة منهج كامل في إدارة ملف المدربين. النادي الذي يملك هذا التاريخ الكبير وهذه الجماهيرية الكبيرة لا يجوز أن يتحول إلى محطة مؤقتة لمدربين فشلة بلا سيرة حقيقية، ثم يدفع ثمن أخطائه ملايين جديدة من الدولارات في كل موسم.
▪️︎▪️︎ الأهلي بحاجة إلى إعادة بناء فلسفة التعاقد نفسها: اختيار أقوى، عقود أكثر ذكاءً، وشروط تحقق التوازن بين حقوق النادي وحقوق المدرب. لأن استمرار الوضع الحالي يعني ببساطة أن كل مدرب جديد سيدخل النادي وهو يفكر أولاً: كيف أضمن أموالي إذا فشلت؟ وليس كيف أنجح مع الأهلي؟




