توبكُتّاب وآراء

سامي صبري يكتب لـ «30 يوم»: هرمز .. وذكاء إيران

لم تمض ساعات معدودة حتى أعلن الرئيس الأمريكى ترامب عن تعليق مشروع الحرية لإعادة فتح مضيق هرمز؛ ريثما ينجح فى التوصل إلى اتفاق مع «ممثلى» إيران، يحفظ ماء وجهه أمام الكونجرس والداخل الأمريكى، عبر صفقة تنازلات تبادلية فى مذكرة تفاهم تضم 14 بندًا ليس بينها برنامج الصواريخ البلاستيكية، ولكنها تتضمن موافقة إيران على تعليق برنامج تخصيب اليورانيوم مقابل رفع الحصار والعقوبات والإفراج عن مليارات الأموال الإيرانية المجمدة.

هذا المشهد الأخير من القرارات يكشف فى مضمونه عن أن ما يعلن فوق الطاولة يختلف عما يُمرر تحتها، ومع ذلك يمكن القول إن هذه المذكرة تضع ترابًا فى موقف المنتصر، فبموافقة الحرس الثورى الإيرانى على هذه التنازلات المحددة والمشروطة، يحقق ترامب خطوة كانت مطلوبة وضرورية لإقناع العالم بأن هناك تغييرًا فى النظام داخل إيران.

وتمهد المذكرة مستقبلًا لقيادة إيرانية مرنة يمكن أن تبنى عليها واشنطن قاعدة جديدة للتخلص من فريق متشدد، واستبداله بآخر يملك قوة السيطرة على الحرس الثورى أو على الأقل يستطيع تغيير عقيدته العسكرية تجاه أمريكا وإسرائيل.

ومن الواضح، أن عقدة ترامب من اتفاق أوباما النووى لا تزال تطارده، فهو بعد كل ما أنفقه على العملية العسكرية لم يستطع تحقيق كل أهدافها، وإن نجح فقط فى كسر شوكة إيران النووية مؤقتًا، وجعلها غير قادرة على استئناف برنامجها النووى قبل أكثر من عشرين سنة مقبلة، ولذا فهو يريد أن يثبت نجاحه فيما فشل فيه نظيراه أوباما وبايدن.

فإذا ما أبرمت هذه الصفقة، سيعلن وبقلب جامد عن انتصاره ونجاحه فى إنهاء العملية العسكرية على إيران، وإظهارها إعلاميًا بأنها استسلمت بعد تعليق حقها فى الاحتفاظ ببرنامجها النووى وهو ما تعتبره تل أبيب نجاحًا منقوصًا، حيث لم يتم حسم برنامج الصواريخ الباليستية، ونزع السلاح من أذرع إيران فى المنطقة وفى مقدمتها حزب الله فى لبنان.

ورغم عدم رضا إسرائيل كليًا عن هذا الاتفاق إلا أن نتنياهو لا يستطيع معارضته أو انتقاده، لأنه ليس صاحب القرار فى هذه العملية المشتركة، وإنما ترامب الذى يعد الرئيس الفعلى لحكومة تل أبيب والقائد الأعلى للقوات المسلحة الإسرائيلية.

كما أن هذا الاتفاق المرتقب يتسق ورغبة ترامب المأزوم بتقويض الكونجرس لقرار الحرب، وبانتخابات مقبلة لن تكون سهلة أمام الجمهوريين المؤيدين للحرب على حساب مصلحة المواطن الأمريكى.

وهذا الشغف الأمريكى لعقد اتفاق حتى لو عارضه نتنياهو صامتًا، له أسبابه ودوافعه، أولها كسر تشدد الحرس الثورى بانتزاع موافقته على جعل البرنامج النووى فى مقدمة البنود، وهو ما كان ضمن اللاءات الأساسية والمرفوض الاقتراب منها فى أي شروط مسبقة لواشنطن، وبالتالى توحيد الكلمة الإيرانية عند الدخول بعد ذلك فى مفاوضات مباشرة عبر الوسيط الباكستانى المباشر أو التدخلات الصينية الروسية، وبما يتماشى مع العلاقة المميزة والمصلحة المشتركة لبكين وموسكو مع طهران.

وتكشف مذكرة الاتفاق أيضًا عن ذكاء نظام إيران؛ فبتلك التنازلات البسيطة، سينقذ الاقتصاد من 500 مليون دولار يخسرها يوميًا من جراء الحصار، وسيستفيد كثيرًا من رفع العقوبات ومن مليارات الدولارات المجمدة فى الخارج، كما يستطيع استئناف تصدير النفط الإيرانى ومن ثم إعادة إعمار البلاد، ومن ثم ضمان عدم خروج الإيرانيين للشوارع تحت وطأة الانهيارـ وهذا فى حد ذاته أقوى المكاسب التى تزعج إسرائيل وتصيبها بالإحباط.

إن هذا الاتفاق المبدئى إن تحقق واكتمل، ستكون إيران واقعيًا انتصرت سياسيًا وعسكريًا رغم كل ما لحق بها من دمار فى شتى المجالات، وستكون فى الوقت نفسه حققت انتصارًا آخر موازيًا على مسار الأزمة اللبنانية المربوط فعليًا بالمسار الإيرانى.

وهكذا ينقذ ترامب نفسه وحزبه فى اللحظة الأخيرة، وهكذا تستفيد إيران من عامل الوقت وإغلاق كل المسارات البديلة أمام ترامب.

SAMYSABRY19@GMAIL.COM

 اقرأ أيضا

سامي صبري يكتب لـ «30 يوم»: السيناريو اللغز .. لاحرب ولا اتفاق (2)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى