الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: خبر وفاتي غدًا
لم يكن الخبر صادمًا بقدر ما كان واضحًا… كأنه حقيقة مؤجلة قررت أن تظهر أخيرًا.
استيقظتُ صباح ذلك اليوم على صوتٍ داخليٍّ لا يشبه أحلامي المعتادة. لم يكن خيالًا ولا كابوسًا، بل يقينًا هادئًا يقول: “بقي لك سبعة أيام.”
جلستُ على طرف السرير، أحدق في الفراغ، وكأنني أحاول أن أرى شكله… شكل النهاية.
في البداية ضحكت. ظننتها وسوسة عابرة. لكن مع مرور الساعات، بدأ كل شيء يتغير.
وجوه الناس بدت أكثر وضوحًا… كلماتهم أثقل… والوقت، يا الله، الوقت صار له صوت.
كل دقيقة تمر كانت تقول: نقص يوم.
في اليوم الأول، حاولت تجاهل الأمر. ذهبت إلى عملي، تحدثت كالمعتاد، ابتسمت… لكن داخلي كان يرتجف.
وفي المساء، سألت نفسي:
لو كان هذا حقيقيًا… ماذا سأفعل؟
في اليوم الثاني، بدأت أكتب رسائل.
رسالة لأمي… اعتذرت فيها عن كل مرة لم أكن الابن الذي تستحقه.
ورسالة لصديق قديم… افترقنا بسبب سوء فهم سخيف.
ورسالة لنفسي… لم أعرف كيف أبدأها.
في اليوم الثالث، خرجت أمشي طويلًا.
نظرت للسماء وكأنني أراها لأول مرة.
تأملت الناس… الباعة، الأطفال، العجائز…
كلهم يعيشون وكأن لديهم وقتًا لا ينتهي.
كم نحن مطمئنون لشيء لا نملكه.
في اليوم الرابع، صليت… لا كعادة، بل كحاجة.
تحدثت إلى الله بلا ترتيب، بلا كلمات محفوظة.
فقط قلت: “أنا خائف… لكني أرجوك أن تجعل نهايتي بداية لشيء أجمل.”
في اليوم الخامس، بدأت أهدأ.
لم يعد الخوف هو المسيطر، بل نوع غريب من السلام.
أدركت أنني لو عشت دائمًا وأنا أعلم أن النهاية قريبة، لما أخطأت كثيرًا…
ولما أجلت الحب، ولا الاعتذار، ولا العودة.
في اليوم السادس، جلست مع عائلتي.
ضحكنا طويلًا، أكثر من أي وقت مضى.
كنت أنظر إليهم وأحفظ تفاصيلهم في قلبي…
كأنني أجمع لحظات تكفيني للأبد.
ثم جاء اليوم السابع.
استيقظت قبل الفجر.
كان الصمت عميقًا… والكون ساكنًا كأنه ينتظر.
جلست وحدي، وابتسمت.
ربما لم يكن الخبر عقوبة… بل هدية.
هدية جعلتني أعيش أسبوعًا واحدًا بصدقٍ لم أعشه طوال عمري.
ومع أول خيط للضوء…
أغمضت عيني…
…
واستيقظت.
نفس الغرفة.
نفس السرير.
نفس الحياة.
مر أسبوع… ولم أمت.
جلست طويلًا أفكر…
هل كان وهمًا؟ أم رسالة؟
ثم أدركت الحقيقة التي لم أنتبه لها من قبل:
أن جهلنا بموعد موتنا… ليس نقصًا في المعرفة،
بل رحمة عظيمة.
لأننا لو عرفنا… لخفنا،
ولو خفنا… لتوقفنا عن العيش.
أما الآن،
فنحن نخطئ… ونتعلم… ونؤجل… ونعود…
ونحب… دون عدٍّ تنازلي.
رفعت رأسي للسماء وقلت:
“شكرًا لأنك أخفيت النهاية… كي أتعلم كيف أبدأ كل يوم من جديد.”
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي
اقرأ أيضا
خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: الورق أصبح أفتك سلاح



