خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: قبل أن تتحول دعواهم لكوابيس تطاردكم نوما ويقظة
فى مواصلة عامة جلس بجوارى رجل تبدو عليه علامات اليسر والستر، شعرت بأنه يريد أن يفتح حوارًا معى ولأننى قليل الكلام ولا أحب الدخول فى علاقات مؤقتة خاصة مع من لا أعرف، لم أبدأ بالحديث لكن أعطيته انطباعًا بأننى سهل لين، تردد قليلًا ثم باغتنى ممكن أطلب من حضرتك طلب، ولم أتأخر فى الرد: تحت أمرك، فوجئت به يطلب أن أدفع له أجرة المواصلة، لم أتردد وأخرجت له مبلغ الأجرة، لم أطلب منه تبريرًا، ولكنه قال وهو فى حالة شديدة من الخجل إنه خرج من المنزل وفى جيبه ٣٠ جنيهًا ليصرف المعاش وذهب إلى ماكينة الصراف الآلى ولم يجد مبلغ المعاش بالفيزا نظرًا لسقوط السيستم فأنفق ما كان بحوزته من نقود وعاد بدون المعاش، ثم انهار باكيًا دون تمثيل فأحرقتنى دموعه وتركته وقلبى يتمزق ألمًا وحسرة.
لم تعد أزمة أصحاب المعاشات فى مصر مجرد ملف اقتصادى عابر، بل تحولت إلى قضية إنسانية تمس شريحة أفنت أعمارها فى خدمة الوطن، لتجد نفسها اليوم فى مواجهة قاسية مع أعباء الحياة وتضخم لا يرحم.
خلال السنوات الأخيرة، شهدت الدولة زيادات متتالية فى الحد الأدنى للأجور، فى محاولة لتحسين مستوى معيشة العاملين ومواجهة موجات الغلاء.
لكن فى المقابل، ظلت زيادات المعاشات محدودة، لا تتناسب مع وتيرة التضخم نفسها، ولا تعكس حجم الارتفاع الجنونى فى الأسعار. والنتيجة اتساع الفجوة بشكل مؤلم بين من لا يزالون فى سوق العمل، ومن خرجوا منه بعد سنوات طويلة من العطاء.
المفارقة المؤلمة أن أصحاب المعاشات لم يكونوا يومًا عبئًا على الدولة، بل كانوا عمادها الحقيقى.
هم من أسهموا فى بناء مؤسساتها، وتحملوا صعوبات العمل فى مراحل مختلفة، وقدموا من صحتهم وجهدهم ما لا يُقدر بثمن.
واليوم، يجد كثير منهم أنفسهم عاجزين عن تلبية احتياجات أساسية من دواء، غذاء، أو حتى حياة كريمة تليق بإنسان.
أحد أهم جذور الأزمة يتمثل فى عدم الفصل الواضح بين أموال التأمينات والمعاشات وبين الموازنة العامة للدولة.
فالأموال التى تم استقطاعها من رواتب الموظفين على مدار سنوات عملهم، هى فى الأصل حقوق مكتسبة، وليست منحة أو دعمًا حكوميًا.
ومن هنا، يبرز مطلب أساسى وعادل، وهو ضرورة إدارة هذه الأموال بشكل مستقل يضمن استدامتها وعدالة توزيعها، بعيدًا عن ضغوط الموازنة أو أولويات الإنفاق الأخرى.
إن الحديث عن العدالة الاجتماعية لا يكتمل دون إنصاف أصحاب المعاشات.
فهؤلاء لا يطلبون رفاهية، بل الحد الأدنى من الحياة الكريمة التى تحفظ كرامتهم.
ولا يجوز أن يتحولوا إلى ضحايا لسياسات اقتصادية لا تراعى ظروفهم، أو أن يُنظر إليهم كعبء بعد أن كانوا قوة منتجة.
التعبير الشعبى القاسى الذى يشبههم بـ«خيل الحكومة» ليس مجرد استعارة، بل انعكاس لحالة من الغضب والشعور بالإهمال.
فلا يمكن لدولة تسعى للاستقرار أن تتجاهل شريحة بهذه الأهمية، ولا أن تتركها تواجه مصيرًا قاسيًا بعد رحلة طويلة من العطاء.
المطلوب اليوم ليس فقط زيادة المعاشات، بل إعادة النظر فى فلسفة التعامل مع هذا الملف بالكامل.
المطلوب رؤية إنسانية قبل أن تكون اقتصادية، تضع فى اعتبارها أن كبار السن يحتاجون إلى رعاية مضاعفة، سواء على المستوى المعيشى أو الصحى.
إن لم تنصفوا أصحاب المعاشات فاقتلوهم أو اطرحوهم أرضا تخلُ لكم الحياة، ولا تلقوهم فى غيابة الجُبِ حتى لا يلتقطهم العابرون فتقلق دعواهم نومكم وتتحول أحلامكم إلى كوابيس تطاردكم فى النوم واليقظة.
إن تكريم من أفنوا أعمارهم فى خدمة الوطن لا يكون بالشعارات، بل بسياسات عادلة تضمن لهم حياة آمنة وكريمة.
فالدولة التى تحترم تاريخها، وتُقدّر نهضتها وتنميتها، هى التى تحترم من صنعوا هذا التاريخ وهذه النهضة.
Khalededrees2020@gmail.com
اقرأ أيضا
خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: حرب إيران.. العالم يعيد ترتيب تحالفاته




