خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: حرب إيران.. العالم يعيد ترتيب تحالفاته
لم تعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مجرد مواجهة عسكرية عابرة في منطقة مشتعلة بطبيعتها، بل تحولت إلى نقطة فاصلة قد تعيد تشكيل النظام الدولي سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. فكل حرب كبرى لا تكتفي بإسقاط الصواريخ، بل تسقط معها تحالفات قديمة، وتولد سياسات جديدة، وتكشف هشاشة كيانات ظن العالم لسنوات أنها عصية على الاهتزاز.
أولى الهزات العنيفة التي كشفتها الحرب الحالية جاءت داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو”، ذلك التحالف الذي ظل لعقود رمزًا للوحدة الغربية. غير أن الخلافات الأخيرة بين واشنطن وبعض الدول الأوروبية بشأن دعم الحرب على إيران كشفت تصدعات غير مسبوقة داخل الحلف، خاصة بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالخروج من “الناتو”، واتهامه بعض دوله بالضعف والتخاذل عن مساندة الولايات المتحدة في معركتها الجديدة.
وربما يمثل الموقف الإسباني الرافض للتورط الكامل في هذه الحرب القشة التي قد تقصم ظهر الحلف، في ظل تنامي الأصوات الأوروبية التي ترى أن واشنطن باتت تتعامل مع “الناتو” باعتباره أداة لخدمة المصالح الأمريكية فقط، لا مظلة دفاع جماعي متكافئة كما كان يُروج دائمًا.
لكن تأثير الحرب لم يتوقف عند التحالفات العسكرية، بل امتد إلى قلب التحالفات الاقتصادية الدولية، وعلى رأسها منظمة “أوبك”، التي تلقت ضربة قوية بإعلان الإمارات الانسحاب منها بعد تاريخ طويل داخل المنظمة بدأ بانضمام إمارة أبوظبي عام 1967، ثم انضمام دولة الإمارات رسميًا عقب الاتحاد عام 1971.
هذا الانسحاب لا يمكن قراءته باعتباره قرارًا اقتصاديًا منفردًا، بل يعكس تحولات أعمق في فلسفة إدارة المصالح والطاقة والنفوذ. فالعالم يتجه نحو مرحلة تبحث فيها الدول عن حرية الحركة بعيدًا عن القيود الجماعية والتحالفات التقليدية، خصوصًا مع تصاعد الحروب والعقوبات والاضطرابات في أسواق الطاقة.
ولم تكن الإمارات سابقة فريدة في هذا المسار؛ فقد سبقتها دول أخرى انسحبت أو جمدت عضويتها في “أوبك”، مثل قطر التي انسحبت عام 2019، وأنغولا التي غادرت المنظمة في يناير 2024،، بينما علقت الإكوادور عضويتها أكثر من مرة، وكذلك إندونيسيا والغابون، في مشهد يكشف أن التكتلات الاقتصادية لم تعد تتمتع بالصلابة القديمة نفسها.
الحرب على إيران لا تعيد فقط رسم خرائط النفوذ، بل تعيد تعريف مفهوم “التحالف” ذاته. فالدول باتت أكثر ميلاً إلى السياسات البراغماتية التي تقوم على المكاسب المباشرة لا الولاءات التاريخية. حتى القوانين الدولية والمؤسسات الأممية تبدو عاجزة أمام منطق القوة والمصالح، في وقت تتراجع فيه الاعتبارات الأخلاقية لصالح الحسابات الاقتصادية والأمنية.
وفي تقديري، فإن أخطر ما ستنتجه هذه الحرب هو التحول العالمي نحو “اقتصاد النفوذ”، حيث ستسعى الدول، خصوصًا الواقعة على المضايق والممرات التجارية الحيوية، إلى استغلال مواقعها الجغرافية لتعظيم المكاسب المالية والسياسية. فالدول أدركت أن لغة المال أصبحت هي المصدر الحقيقي للقوة والاستقرار، وأن السيطرة على خطوط التجارة والطاقة قد تفوق في أهميتها امتلاك الجيوش والأسلحة.
العالم بعد حرب إيران لن يكون كما كان قبلها. التحالفات القديمة تتفكك، والسياسات تتبدل، وموازين القوة تعاد صياغتها من جديد. وربما تكون السنوات المقبلة بداية عصر دولي مختلف، تحكمه المصالح الاقتصادية البحتة أكثر مما تحكمه الشعارات والتحالفات التقليدية .
اقرأ أيضا
خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: ثقة دولية في الكفاءات المصرية




