خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: فراش برتبة بطل
في إحدى مدارس محافظة سوهاج، كان الطلاب يرونه كل صباح رجلاً بسيطاً يحمل مكنسته القديمة، يفتح أبواب الفصول، ينظف الممرات، ويبتسم للجميع في هدوء.
لم يكن أحد يتخيل أن هذا الرجل الهادئ، الذي ينادونه ببساطة “عم عبد الرؤوف”، كان ذات يوم اسماً أرعب قادة العدو، ورمزاً لبطولة لا تُصدق.
كان عبد الرؤوف جمعة عمران فراشاً في المدرسة، لكنه في قلبه كان يحمل رتبة أكبر من كل الرتب… رتبة بطل.
في فجر حرب حرب أكتوبر، نزل عبد الرؤوف مع كتيبة صاعقة في مهمة تكاد تكون انتحارية.
الهدف كان الوصول إلى مطار أبو رديس في عمق سيناء، خلف خطوط العدو، حيث لا عودة مضمونة ولا نجاة مؤكدة.
تحركت الكتيبة وسط ظلام الصحراء، والرصاص يسبق الأنفاس، والانفجارات تمزق الصمت.
كانت المهمة جحيماً حقيقياً، سقط فيه الرفاق واحداً تلو الآخر، حتى لم يبقَ من الكتيبة كاملة سوى خمسة رجال فقط… وكان عبد الرؤوف أحدهم.
أصيب برصاص رشاش متعدد في ظهره وفخذه ومثانته.
إصابات كانت كفيلة بإنهاء حياة أي إنسان، لكن عبد الرؤوف لم يكن رجلاً عادياً.
رفض الاستسلام.
ظل أكثر من مئتي يوم كاملة خلف خطوط العدو، يراقب تحركاتهم، يرصد مواقعهم، ويرسل الإشارات اللاسلكية إلى القيادة المصرية، بينما الدم ينزف منه، والجوع ينهش جسده، والشمس تحرق جلده نهاراً، والبرد يقتله ليلاً.
أكل الحشائش، وصاد الأفاعي ليبقى حياً.
كان يعيش فقط لأن الوطن ما زال يحتاجه.
أحد البدو الذين كانوا يمدونه أحياناً بالقليل من الطعام، قال للمخابرات المصرية بدهشة:
“يا فندم… العسكري ده عايش حلاوة روح، اللي زيه المفروض نكون صلينا عليه صلاة الغائب من زمان!”
لكن الله كتب له عمراً آخر… عمراً يليق بالأبطال.
في أبريل 1974، عاد عبد الرؤوف سيراً على الأقدام، بملابس ممزقة، وجسد أنهكته الجراح، وروح لم تنكسر.
وقف أمامه المشير أحمد إسماعيل علي، ونظر إليه طويلاً، ثم أدى له التحية العسكرية.
تحية من قائد كبير… لجندي صنع ما عجزت الأكاديميات العسكرية عن تفسيره.
كان يمكن لعبد الرؤوف أن يطلب الأوسمة، أو المال، أو المناصب، لكنه لم يفعل.
عاد إلى بلدته في سوهاج، واختار أن يعمل فراشاً في مدرسة.
كان يخدم الطلاب بابتسامة هادئة، بينما في جسده رصاصات العدو، وفي قلبه تاريخ لو وُزع على أمة لكفاها فخراً.
وحين كان البعض يسأله عن كل ما فعله، كان يجيب ببساطة:
“عملت كده عشان ديني ووطني… ومش مستني تكريم من حد.”
رحل البطل، لكن البطولة لا ترحل.
يبقى السؤال لنا نحن:
هل نترك أمثال عبد الرؤوف يُنسَون؟
أم نحفظ أسماءهم كما نحفظ أسماء الأوطان؟
رحم الله البطل عبد الرؤوف جمعة عمران،
ورحم الله رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه…
فالبطل لا يموت، إلا حين ينساه شعبه.
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي
اقرأ أيضا
خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: محضر في القسم




