توبكُتّاب وآراء

خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: محضر في القسم

لم يكن أحد يتوقع أن يصبح اسم شرفنطح حديث المقاهي، وصفحات الحوادث، ومحاضر أقسام الشرطة.
شاب من أسرة معدمة، نشأ في حارة ضيقة من حواري العمرانية، بين جدران متشققة وأحلام أكبر من مساحة البيت نفسه. كان والده عاملًا بسيطًا بالكاد يوفر قوت يومه، وكانت أمه تردد دائمًا:
“ذاكر يا ابني… العلم هو اللي هيخرجنا من الفقر.”
استمع شرفنطح جيدًا.
ذاكر، تعب، سهر، حتى تخرج من الجامعة حاملاً شهادته الجامعية كأنها مفتاح الجنة.
لكنه اكتشف سريعًا أن الشهادة وحدها لا تفتح الأبواب.
طرق أبواب الشركات، والمكاتب، والمصالح الحكومية.
في كل مرة كان يعود بنفس الجملة:
“سيب رقمك… ولو فيه نصيب هنكلمك.”
ولم يكن هناك نصيب.
مرّت الشهور، ثم السنوات، وبدأ الإحباط يتحول داخله إلى شيء أكثر ظلمة.
كان يرى زملاءه القدامى؛ بعضهم سافر، بعضهم ورث تجارة، وبعضهم بدأ مشاريع صغيرة. أما هو، فكان يقف في نفس المكان، كأن الزمن نسيه.
وفي ليلة طويلة، جلس وحده فوق سطح البيت، ينظر إلى أضواء المدينة البعيدة، وهناك… همس له شيطانه.
قال له:
“هم يملكون المال… وأنت تملك العقول التي تثق بك.”
ومن هنا بدأت الحكاية.
عاد يتواصل مع زملائه في الجامعة.
بوجه هادئ، وكلمات محسوبة، وحديث مليء بالطموح والثقة.
قال لهم إنه يعمل على مشروع استثماري كبير.
شركة ناشئة.
فرص مضمونة.
أرباح شهرية ثابتة.
وتوريدات ضخمة قادمة من الخارج.
كان يعرف جيدًا كيف يخاطب أحلامهم.
استغل صداقتهم القديمة، وثقتهم فيه، وذكريات الجامعة التي جعلت الشك يبدو خيانة.
بدأ البعض بمبالغ صغيرة.
ثم جاءت الأرباح فعلًا.
وهنا كانت الضربة العبقرية.
حين يرى الناس المال يعود، يأتون بالمزيد.
تحولت الآلاف إلى مئات الآلاف.
ثم ملايين.
فتح مكتبًا فاخرًا، استأجر سكرتارية، صنع أوراقًا رسمية، أختامًا، عقودًا، وشركة تحمل اسمًا لامعًا يوحي بالثقة.
خلال فترة قصيرة، جمع مئات الملايين.
كان الناس يتحدثون عنه بإعجاب:
“الدكتور شرفنطح… راجل محترم.”
“شاب ناجح ومكافح.”
“ابن ناس ويخاف ربنا.”
وكان هو يبتسم فقط.
حتى جاء اليوم الذي اختفى فيه.
الهاتف مغلق.
المكتب مغلق.
السكرتيرة لا تعرف شيئًا.
والشقة التي كان يسكنها أصبحت فارغة كأن أحدًا لم يعش فيها يومًا.
لكن قبل هروبه… كان قد أرسل رسالته الأخيرة.
رسالة جماعية إلى جميع العملاء:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نظرًا للظروف المرضية لشرفنطح في الفترة الأخيرة، قد تقرر تعويض العملاء على النحو التالي للأرباح المتأخرة عن النسب المتفق عليها سابقًا، ونقدم اعتذارًا للجميع عن التأخير نظرًا لتأخير الأرباح.
أولًا:
الـ ١٥ يوم
الناس اللي قبضت المفروض هتقب أرباح ١٥ يوم اللي هو كان عيان فيهم، والناس اللي ما قبضتش ١٥ يوم القديمة هتاخد ضعف الأرباح.
ثانيًا:
الـ ٤٥ يوم والتوريدات الشهرية والـ ٣ شهور أرباحهم هتزيد ١٪
بس إن شاء الله الأرباح دي كلها هتبقى بعد أجازة شم النسيم الجاي، يعني تقريبًا يوم الثلاثاء الجاي.
انتظر الناس الثلاثاء.
ثم الأربعاء.
ثم الخميس.
ثم أدركوا الحقيقة.
لقد تبخر.
فص ملح… وذاب.
تحولت الثقة إلى صراخ.
والأحلام إلى محاضر.
والأرباح إلى دموع.
أمام القسم ، وقف المئات، رجال ونساء، شباب وشيوخ، يحمل كل منهم قصة خسارة مختلفة، لكن البطل واحد.
وفي دفتر رسمي، تحت رقم بارد لا يحمل أي مشاعر، كُتب:
محضر رقم في سجل
لكن خلف هذا الرقم…
كانت هناك بيوت بيعت،
وشبكات ذهب اختفت،
وميراث عمر ضاع،
وأمهات بكين،
وآباء صمتوا من القهر.
أما شرفنطح…
فلا أحد يعرف أين ذهب.
البعض قال إنه هرب خارج البلاد.
البعض قال إنه غيّر اسمه.
والبعض أقسم أنه رآه في مدينة أخرى يبدأ من جديد… بنفس الابتسامة.
لكن المؤكد الوحيد…
أن الشيطان لا يأتي دائمًا بوجه مخيف.
أحيانًا…
يأتي بشهادة جامعية،
وبدلة أنيقة،
وكلمة:
“ثق فيّ.”

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي

اقرأ أيضا

خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: كيف تتعامل الدولة مع المستريح؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى