توبكُتّاب وآراء

خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: نظرة لمقرات النيابة العامة

ذهبتُ إلى النيابة العامة في نيابة تاج الدول لتقديم بلاغ، فخرجتُ بقلبٍ ثقيل وعينٍ حزينة على ما رأيتُ. لم يكن الأمر مجرد زيارة روتينية لمرفق حكومي، بل كانت جولةً في واقعٍ يستحق أن يُقال، ومشهدٍ يستوجب أن يُوصف لمن يملك القرار والإرادة.

النيابة تقع في الدور الخامس من مبنى يجمع بين ضيق المساحة وثقل الأعباء. يوجد مصعد، نعم، لكنه لا يستوعب هذا الكمّ الهائل من البشر الذين يتدافعون داخله وأمامه: السادة وكلاء النائب العام، والمترددون بحثًا عن العدالة، والمتهمون بين يدي القانون، وذووهم الذين ساقهم القلب والخوف. مصعد واحد يُقاسَم على كل هؤلاء، وكأن العدالة نفسها باتت رهينة الطابق الخامس.

ويبقى السؤال معلّقًا في الهواء كسيف: ماذا لو تعطّل هذا المصعد؟ هل يصعد الجميع بأقدامهم خمسة طوابق؟ كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والمرضى ممن جاؤوا مرغمين لا مختارين؟ المشهد يحمل في طياته إهانةً صامتة لكرامة الإنسان، لا تحتاج إلى كثير من الكلمات لتوصيفها.

في الأروقة الضيقة، يقف الناس في طوابير لا تنتهي، وليس ثمة أماكن للجلوس تُحترم.

كبار السن يتكئون على الجدران، والنساء يُشاركن المساحة ذاتها مع كل هذا الازدحام، في مشهد يُفقد المكانَ هيبته ويُجهد الروح قبل الجسد.

والأكثر إيلامًا هو ما رأيتُه من مشهد المتهمين وهم يُساقون مكبّلين وسط هذا الزحام البشري، في ممرات ضيقة لا تُفرّق بين من جاء يشكو ومن جاء يُتّهم.

شيء ما في هذا المشهد يجرح الوجدان، ويجعل المرء يتساءل عن حدود الكرامة الإنسانية حتى في أحلك لحظاتها.

خارج المبنى، تكتمل الصورة بغياب أماكن لإيقاف السيارات.. يجوب الناس الشوارع المحيطة بحثًا عن متر يضعون فيه سياراتهم، فيزيدون الازدحام ازدحامًا، ويُضيفون إلى متاعب المواطن العادي متعبةً جديدة.

ويزيد على كل هذا غيابُ أي منظومة رقمية حديثة لتقديم البلاغات عبر الإنترنت، في عصر باتت فيه الحكومات الذكية تُدار من شاشات الهاتف. بينما تتكاثر النيابات المختلفة في العمرانية وبولاق الدكرور وسواها، يظل المواطن يجوب المدينة بحثًا عن الجهة المختصة، مُهدرًا وقته وجهده ومزاجه.

رسالتي إلى معالي السيد وزير العدل:

إن مقرات النيابة العامة في حاجة ماسة إلى إعادة تقييم شاملة وتخطيط عمراني جديد يليق بمكانة العدالة في هذا الوطن.

أدرك تمامًا صعوبة توفير الأراضي والمباني في مدن مكتظة كالقاهرة الكبرى، ولا أطالب بالمستحيل، لكنني أُقدّم اقتراحًا عمليًا أرى فيه جدوى حقيقية.

أقترح بناء طوابق علوية فوق أقسام الشرطة والسجون الموجودة، تُخصَّص لاستضافة مكاتب النيابة ومقرات التحقيق. بهذا الحل يصبح التحقيق مع المتهمين داخل مقر احتجازهم مباشرةً، دون الحاجة إلى نقلهم عبر شوارع المدينة المزدحمة. وما يترتب على ذلك من منافع عملية لا يُستهان بها: تقليل استهلاك الوقود وأعداد سيارات النقل، وتخفيف الضغط على قوات الأمن والحراسة، وتحقيق أمان أكبر في التعامل مع المتهمين.

وأدعو في الوقت ذاته إلى التسريع في إطلاق منظومة إلكترونية متكاملة لتقديم البلاغات عن بُعد، تُعفي المواطن البسيط من رحلات الإجهاد وطوابير الانتظار، وتُقرّب العدالة منه حيث هو.

العدالة لا تُقاس فقط بنصوص القوانين وأحكام القضاء، بل تُقاس أيضًا بالبيئة التي تُمارَس فيها، وبالكرامة التي يشعر بها كل من يطرق بابها، مظلومًا كان أو محاسَبًا. ومقرات النيابة العامة هي أول هذه الأبواب.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي

 اقرأ أيضا

خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: نصيحة للأبناء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى