الصين تسقط أمريكا قريبا كـ قوة علمية لاتناطح
كتب- ممدوح الصعيدي
تعتبر سفينة الأبحاث «دونج فانج هونج 3» أكبر سفينة أبحاث «صامتة» في العالم، لقدرتها على الانزلاق بسلاسة في الماء دون إزعاج الأسماك التي تسبح على بعد 20 متراً فقط تحتها.
وهذه السفينة، التي يبلغ طولها 103 أمتار، والمجهزة بمختبرات وقدرة على وضع أجهزة استشعار، تملكها وتديرها جامعة المحيطات الصينية، وقد أمضت العامين الماضيين في رسم خرائط قاع المحيط.
ووفقاً لتحليل أجرته رويترز الشهر الماضي، فإن هذه السفينة تقوم – إلى جانب سفن أخرى – بجمع بيانات تحت سطح البحر قد تُمنح الصين ميزة عسكرية في حال نشوب حرب تحت الماء.
إذ يُمكن أن يُشير رسم خرائط التضاريس تحت سطح البحر إلى أماكن اختباء محتملة للغواصات، فضلاً عن كشف مواقع سفن تحت الماء تشغلها جهات معادية.
وأظهر تحقيق رويترز أن أبحاث علوم المحيطات، كما هو الحال مع العديد من العلوم المتطورة، ذات استخدام مزدوج، فهي ذات قيمة مدنية وعسكرية على حد سواء.
ويمكن للتطبيقات الحساسة أن تكون مخفية بوضوح تام، في أوراق بحثية منشورة في المجلات العلمية.
يشير ذلك إلى صورة أوسع نطاقاً للصين وهي أنها تكتسب وتراكم بهدوء قوة جيوسياسية وميزات استراتيجية كبيرة من خلال العلوم والتكنولوجيا، إلى حد لا يُدركه إلا القليل. ولنأخذ على سبيل المثال نموذج الذكاء الاصطناعي الصيني منخفض التكلفة «ديب سيك»، الذي ظهر فجأة في يناير من العام الماضي.
لقد أذهل المراقبين، وتحدى هيمنة الذكاء الاصطناعي الأمريكية، وألحق خسائر بمليارات الدولارات بشركة «إنفيديا» لصناعة الرقائق الإلكترونية.
ومع إعطاء الصين الأولوية للابتكار المحلي في خططها التنموية المستقبلية، فقد تحتاج سمعتها كمجرد متلقية لأفكار الآخرين، بدلاً من كونها منتجة، إلى إعادة نظر شاملة.
وقامت وكالة رويترز بفحص مقالات في وسائل الإعلام الصينية الرسمية، والمجلات العلمية، والبيانات الصحفية الحكومية، واستخدمت بيانات تتبع السفن، لتخلص إلى أن النمط الضيق ذهاباً وإياباً الذي رسمته سفن متعددة مسجلة في الصين في المحيطات: المتجمد الشمالي والهادئ والهندي يُشكل دليلاً محتملاً على نشاط واسع لرسم الخرائط.
وأبلغ خبراء بحريون وكالة رويترز أنه في حين أن رسم الخرائط قد يكون ذا صلة بمصالح الصيد والتنقيب عن المعادن، إلا أنه سيكون أيضاً مصدراً قيماً للمعلومات العسكرية. وتعني سياسة الصين المتمثلة في «دمج القطاعين المدني والعسكري» أن الجهود المدنية والعلمية تتشابك حتماً مع أهداف البلاد السياسية والدفاعية.
ولا تُعلّق الحكومة الصينية علناً على هذه المسألة.
وفي نوفمبر، نشر كيري براون، مدير معهد لاو الصيني في كلية كينجز كوليدج بلندن، مقالاً في مجلة «نيتشر» يحث فيه العالم على «إدراك حجم ريادة الصين العلمية».
وقد تعرض المعهد لانتقادات بسبب تلقيه تمويلاً من جهة مانحة تربطها صلات بالحزب الشيوعي الصيني.
وأشار المقال إلى أن إنفاق الصين على البحث والتطوير قد تضاعف ست مرات بين عامي 2007 و2023، متجاوزاً بذلك الاتحاد الأوروبي.
كما تفوقت الصين على الولايات المتحدة في هذا المؤشر عام 2024، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث أنفقت 1.03 تريليون دولار مقارنة بـ 1.01 تريليون دولار للولايات المتحدة.
وأوضح كيري براون أن الصعود العلمي للصين – الذي عززته، كما أضاف، سياسة صناعية وطنية تربط الأكاديميين برواد الأعمال – لا يزال يمضي قدماً دون أن يتوقف عنده أحد إلى حد كبير.
وقد خرّجت الصين 3.6 ملايين خريج في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات عام 2020، مقارنة بـ2.6 مليون في الهند وأقل من مليون في الولايات المتحدة. ولنتذكر أن لم يتلقَ مبتكرو «ديب سيك» تدريبهم في جامعات ستانفورد أو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بل في جامعات محلية مثل تشجيانج وتسينجهوا، التي تتقدم بخطى حثيثة في التصنيفات العالمية.
ويضيف براون قائلاً: «لا ندرك في بريطانيا حجم هذه الحركة وسرعتها وقوتها.
ولا يزال لدينا سياسيون هنا يكررون الحديث عن رغبة الصينيين في سرقة أفكارنا.. لقد ولى ذلك الزمن.. إنهم لا يريدون منتجاتنا، فمنتجاتنا تقليدية تماماً.!!
ويتوقع براون أن تنقلب الموازين: فبينما ستظل قضايا مثل التجسس الإلكتروني تثير المشاكل، قد تتطلع المملكة المتحدة قريباً إلى التكنولوجيا الصينية في قطاعات أقل حساسية، مثل التكنولوجيا الحيوية والتكنولوجيا الخضراء والمواد.
وقدمت الصين ثلث الأدوية الجديدة المرخصة من قبل الشركات الأمريكية الكبرى في الربع الأول من عام 2025.
في الوقت نفسه، يرتكب خصمها الألد أخطاءً قاتلة من خلال خفض الميزانيات وإجبار العلماء على مغادرة البلاد.
وهكذا، فإن الأمر يتعلق بتحول جذري وتخل مذهل عن القيادة العلمية العالمية، بينما تبحر الصين بهدوء إلى المركز الأول.



