توبكُتّاب وآراء

د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: هل أصبح بيت العائلة سجنًا أخلاقيًا بحسن نية؟

لا أعرف لماذا أصبحت أشعر بالخوف والصدمة كلما قرأت خبرًا جديدًا عن جريمة أسرية في مصر. ربما لأن لدي بنات، وأخشى عليهن من عالم لم أعد أفهم تحولات علاقاته كما كنت أفعل من قبل. في كل مرة أقرأ فيها خبرًا عن زوج قتل زوجته، أو زوجة قتلت زوجها، أجد الناس يتجادلون حول الجاني والضحية والعقوبة، بينما يطاردني سؤال آخر: ماذا حدث للأسرة المصرية؟ بل ماذا حدث للعلاقة التي كان يفترض أن تكون أكثر العلاقات الإنسانية دفئًا وأمانًا؟
وكلما وقعت جريمة أسرية جديدة في مصر، يبدأ الجميع في البحث عن القاتل، أما أنا فأبحث عن شيء آخر: من كان يعيش داخل هذه العلاقة غير الزوجين؟ كم صوتًا كان حاضرًا؟ وكم تدخلًا؟ وكم غضبًا صامتًا؟ وكم وصاية مورست باسم الحب والخوف والحرص؟ هل أصبح بيت العائلة سجنًا أخلاقيًا بحسن نية؟
منذ أيام , عندما سألت طالبة لدي عن سبب الطلاق , قالت نصا: انا لم أطلق بسبب زوجي، بل بسبب الذين يعيشون معنا في الزواج). توقفت طويلًا أمام هذه العبارة الكاشفة
فأحيانًا أشعر أن بعض الزيجات في مجتمعنا لا تتم بين شخصين، بل بين عائلتين ولجنة استشارية دائمة الانعقاد. وكل طرف يقدم ملاحظاته الحكيمة مجانًا. والغريب أن الجميع مقتنع بأنه ينقذ الأسرة، بينما الأسرة نفسها قد تكون أول ضحايا هذا الإنقاذ العائلي المستمر. لذلك فأن بعض هذه الجرائم لا تبدأ لحظة وقوعها، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة، حين تضيق المساحة التي يتنفس فيها الزوجان حياتهما الخاصة حتى تختنق تمامًا.
هنا فقط استطيع أن أفهم لماذا أصبح كثير من الشباب يرفضون الزواج في بيت العائلة حتى لو اضطروا إلى الاستدانة سنوات طويلة؟
أعتقد أن القضية أعمق من مجرد أزمة شقق أو ارتفاع أسعار.
ربما لأننا اعتدنا التعامل مع هذه الجرائم باعتبارها حوادث فردية، بينما أراها في كثير من الأحيان أعراضًا لمرض أعمق.. أنه مرض التدخل الأسري القاتل.
قبل أيام كنت أتابع نقاشًا عاديًا على وسائل التواصل الاجتماعي حول السكن في بيت العائلة. وكالعادة انقسم الناس إلى فريقين: فريق يتحدث عن عقوق الأبناء وبر الوالدين، وفريق يتحدث عن حق الزوجة في الاستقلال. ولم أجد أحدًا تقريبًا يسأل السؤال الذي أراه الأهم: هل للزوجين حق أخلاقي في الاستقلال المكاني أصلًا؟
أعرف الاعتراض مقدمًا.
سيقول البعض: وهل بقيت مشكلة في مصر غير السكن؟ ومن أين يأتي الشاب بثمن شقة مستقلة؟ وهل أصبحنا نعيش في مدينة فاضلة؟
لا، لسنا في مدينة فاضلة. وأنا لا أتحدث عن امتلاك شقة في حي راقٍ، ولا عن رفاهية لا يقدر عليها معظم الشباب.
أنا أتحدث عن شيء آخر. أتحدث عن حق الزوجين في أن تكون لهما حياة تخصهما.
فالذي يلفت انتباهي أن كثيرًا من الأسر المصرية ما زالت تنظر إلى زواج الأبناء باعتباره إضافة فردين جديدين إلى الأسرة القديمة، لا باعتباره ميلاد أسرة جديدة لها شخصيتها وقراراتها وحدودها الخاصة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية…. ليس لأن الآباء سيئون، بل لأن أغلب التدخلات تتم بحسن نية.
الأم تتدخل خوفًا على ابنها…. والأب يتدخل بحكم خبرته, والأخت تنصح, والعمة تقارن, والخالة تراقب.والجميع مقتنع بأنه يفعل الخير. وهذا أهم ما في الموضوع, الكل فاعل خير…
لكن النتيجة في أحيان كثيرة أن الزوجين لا يعودان قادرين على معرفة صوتيهما وسط هذا الضجيج العائلي الهائل.
وأعترف أنني أصبحت أتوقف طويلًا أمام عبارة تتكرر على ألسنة كثير من الشباب والفتيات: “نريد أن نعيش وحدنا., بيت عائلة لا لا.
هذه العبارة تُفسَّر أحيانًا باعتبارها أنانية أو تمردًا على التقاليد. أما أنا فأسمع فيها طلبًا أخلاقيًا مشروعا قبل أن أسمع فيها طلبًا اجتماعيًا.
إنها مطالبة بالحق في بناء حياة خاصة., بالحق في اتخاذ قرار خاطئ دون لجنة عائلية للتحقيق, ليه عملتى كده؟, اعملي أحسن كده, ولكن أليس للزوجة بالحق في الاختلاف. وبالحق في أن يظل الخلاف بين الزوجين خلافًا بين زوجين، لا مشروعًا عائليًا مفتوحًا للنقاش, وكل واحد يقول رأيه الحكيم.
وهنا أريد أن أوضح شيئًا مهمًا. أنا لا أهاجم بيت العائلة. فقد خرجت من بيوت العائلات المصرية أجمل صور التكافل والرعاية والتضامن الإنساني.
لكن بيت العائلة ليس مقدسًا. وما كان يصلح قبل خمسين عامًا ليس بالضرورة صالحًا اليوم بالصورة نفسها. لقد تغيرت ظروف الحياة، وتغيرت توقعات الأفراد، وتغيرت طبيعة العلاقة الزوجية نفسها.
ومن زاوية أخلاقية، أعتقد أننا كثيرًا ما نخطئ في تشخيص المشكلة. بعد كل هذا الجدل حول الشقق وبيت العائلة، أظن أننا ننظر إلى المكان وننسى السؤال الأخلاقي الأهم.
المشكلة الحقيقية ليست في السكن تحت سقف واحد… المشكلة في غياب الحدود.
فقد يعيش زوجان في بيت العائلة ويتمتعان باحترام كامل واستقلال حقيقي. وقد يعيشان في شقة منفصلة بينما تمتد الوصاية إليهما عبر الهاتف والزيارات والضغوط اليومية.
لذلك لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو: أين يسكن الزوجان؟
السؤال الحقيقي هو: متى نتوقف عن التعامل مع الأبناء المتزوجين باعتبارهم أطفالًا كبارًا لم يبلغوا سن الرشد بعد؟
ومتى ندرك أن المحبة لا تمنحنا حق إدارة حياة الآخرين؟
أحيانًا أشعر أن المجتمع المصري يحتاج إلى مراجعة أخلاقية هادئة لهذه القضية.
ليس لأن الأسرة فقدت قيمتها، بل لأن قيمتها كبيرة إلى درجة تستحق أن نحميها من التحول إلى سلطة. فالأسرة وجدت للرعاية لا للسيطرة. وللمساندة لا للوصاية.
ولعل هذا هو السؤال الذي يجب أن يشغلنا اليوم:
كيف نبقى قريبين من أبنائنا دون أن نسكن داخل حياتهم؟
هذا هو السؤال الذي أراه أكثر إلحاحًا اليوم.
فليست كل وصاية حبًا، وليست كل نصيحة ضرورة، وليست كل رعاية بريئة من الرغبة في السيطرة بلا حدود.

اقرأ أيضا

د.هدى عبد الرحمن تصدر كتابها الجديد «كانط وحقوق الشعوب .. من كانط إلى غزة»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى