د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: مظلمة العجوز ورشادة القائد!!
يتحقق الإصطفاف المجَتمْعِي في مواجهة ومجابهة التحديات،برشادة صانع القرار ، لدرجة قد يصل الشعب والرعية فيها إلى الإستعداد للتضحية بقُوتِ يومه ونفسه ليقف فى ظهر وطنه وجيشه وقيادته حتى وإن تضور جوعاً ..
هذا الإصطفاف يصبح في تلك الحالة ثمرةً هجين بين ِرُشد القيادة فى قراراتها وصلابتها وتمسكها وإلتزامها بشأن ثوابت الوطن وصدق الدفاع عنه، وبين ليونة وعطفاً علي مَنْ يستحق من فئات مجتمعية أولَى بالرعاية والإهتمام وجبران الخاطر !..
فقد توقفت كثيراً عند واقعة للخليفة عمر بن الخطاب عندما مر ذات يوم على الناس مستتراً ليتعرف على أخبار رعيته عندما كان أميراً للمؤمنين ، فرأى عجوزاً جالسة فسلم عليها وقال لها : ما فعل بك عمر ؟!..
فقالت : لا جزاه الله عنى خيراً !! ..
فقال لها عمر : ولِما ؟؟
قالت: والله ما نالني من عطاءه منذ تولي أمر المسلمين ديناراً ولا درهماً..
فقال لها : وما يدرى عُمر بحالك وأنت فى هذا الموضِع ؟..
قالت : يا سبحان الله، والله ما ظننت أن أحداً يلِى أمر المسلمين ولا يدرى ما بين مشرقها ومغربها ؟..
فبكي عمر ، ثم قال : واعمراه ، كل أحدُ أفقه منك حتي العجائز يا عمر ..
ثم قال لها : يا أَمَة الله .. بكم تبيعي لى مظلمتك من عمر ؟؟ لكى أرحمه من النار ..
قالت : لا تهزأ بي يرحمك الله ، وأتركني لشأني ..
فقال لها : لا أستهزأ والله ، وظل يحاول معها حتى إشترى منها مظلمتها بخمسة وعشرين ديناراً ، وبينما هما كذلك ، إذ أقبل عليهما على بن أبى طالب وعبد الله بن مسعود رضى الله عنهما فقالا : السلام عليك يا أمير المؤمنين ..
فوضعت العجوز يديها على رأسها وقالت : واسوءتاه أشتمت أمير المؤمنين فى وجهه !! ..
فقال لها عمر : لا بأس عليك، يرحمك الله، ثم طلب رقعة يكتب عليها بقلم فلم يجد ، فقطع قطعة من ثوبه ثم كتب فيها : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما إشترى عمر من فلانه مظلمتها منذ وُلِي إلى يومنا هذا بخمسة وعشرين ديناراً ، فما تدعي بعد ذلك عند وقوفها يوم الحشر بين يدي الله تعالى فعمر بريء منه ..
وشهدا على ذلك على إبن أبى طالب وعبد الله بن مسعود ورفع عمر هذا الكتاب إلى ولده عبد الله وقال : إذ أنا مت إجعله فى كفني ألقي به ربي ..
لله درك يا عمر ، ما أعظم خوفك من ربك وإيمانك العظيم ، حتى أن أعدائك قد شهدوا لك عندما قالوا:”حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر”..
ولكن ما هو الرُشد ؟؟ .. الرُشد هو البُعد عن الغى والضلال والسفه وسوء التدبير ، وهو حُسن تصريف الأمور والنفع والبلوغ العقلى وإصابة وجه الحقيقة والسداد والسير فى الإتجاه الصحيح ، وإن هيأ الله لك أسباب الرُشد ، فقد هيأ لك أسباب الوصول إلى النجاح الدنيوى والأخروى ..
وقد وردت لفظة الرُشد فى القرآن فى 19 مرة وبِصِيغٍ تتراوح بين (الرُشد ورُشداً والرشاد ويُرشدون ورشيد ومُرشد ) ، ومنها “من يهدِ الله فهو المُهتد ومن يُضلل فلن تجد له ولياً مرشداً”(الكهف:17) ..
ومن حُسن الطالع ، أن حبا الله مصر بقيادات سياسية وطنية “رشيدة”، لاسيما الحالية منها ، جعلتهم يُحَوِلون معاركهم مع المتنمرين المتربصين بمصر وشعبها وترابها ، من معاركٍ للدفاع ، إلى معارك فرض الإرادة الوطنية وإحترام السيادة والأمن القومى ،وما يحدث مع الرئيس الأمريكى وفروضاته ونزعاته على مدى السنوات الأخيرة خير شاهد ودليل ..
تلك الرشادة التى تجلت فى التعامل مع مختلف السيناريوهات المحلية والإقليمية بدءاً بالتهجير القسري ومروراً بالحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية حتى الإبتزاز بفرض الإتفاقيات الإبراهيمية ، والتعامل مع خطط ومؤامرات تطويق مصر بالنزاعات شرقاً وغرباً وجنوباً ، وذلك على نحو متعقل غيرمتسرع بما لم يعطِ الذريعة لذوى التصرفات المتهورة للتنمر بالوطن..
لقد أدرك أصحاب هذه الرشادة المصرية منذ اللحظة الأولى حقيقة : إما أن تكون تابعاً تنفذ الأوامر من القطب الأمريكى الأوحد وتقف ضمن طابور التابعين الصامتين فى المنطقة الذين تراوحوا بين فاقد للسيادة على أرضه وآخر مُحتل أرضه وآخر خاضع لأهواء وإبتزاز الغير ، وما أيسرها ، وإما أن تفرض إرادتك بقوة وتمارس حق سيادتك على أرضك وتستقل بقرارك وتحفظ أمنك القومي وترابك الوطني، وما أصعبها ..
وبالطبع ما كان لهذا الرشاد القيادى المصرى ليتحقق ، وما لهذا الإصطفاف المجتمعى ليتعزز ، ما لم تكن هناك قوة ردع عسكرية عفية تحمى الوطن وتؤكد إستقلالية قراره ، تلك القوة قد أفسدت نظرية الضربة الإستباقية للعدو الصهيونى كعادته الذميمه مع الجيران الضعفاء والتطاول والعدوان عليهم وقت ما يحلو لهم بمباركة أمريكية عمياء …
( كاتب المقال د. محمد المنشاوي سياسي وأديب ، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الاوسط للشؤون الدولية والتعاون الدولي ، وكبير محرري شئون رئاسة الجمهورية سابقًا ، والحائز على جائزة “ملهم الدولية – وشخصية العام لسنة ٢٠٢٤ ” فى مجال الإعلام الهادف والتثقيف السياسي ” من منتدى رواد الأعمال العرب).
اقرأ أيضا
د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: مصر بين التهديد الوجودي والتهديد الحدودي!!




