الإعلامي خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: اقتصاد الأرقام واقتصاد الجيوب
هناك مصر أخرى لا تظهر في جداول التضخم، ولا في بيانات النمو، ولا في تقارير المؤسسات الدولية.. مصر التي تبدأ حساباتها الحقيقية أمام بائع الخضار، وفي فاتورة الكهرباء، وفي طابور المواصلات، وفي دفتر المصروفات الذي لم يعد راتب آخر الشهر يكفيه.
في اقتصاد الجيب تختبر الحكومة كل أرقامها. فقد تقول البيانات إن مؤشرات الاقتصاد تتحسن، وإن التضخم يسير في مسار يمكن السيطرة عليه، وإن الدولة قطعت شوطًا في الإصلاح الاقتصادي، وكل ذلك قد يكون صحيحًا من الناحية الحسابية. لكن المواطن لا يعيش داخل جدول إحصائي، ولا يدفع فواتيره بالنسبة المئوية، ولا يشتري احتياجاته وفقًا لمؤشرات الاقتصاد الكلي.
المواطن يدفع جنيهًا حقيقيًا من دخله الحقيقي.وهنا تكمن المسافة بين اقتصاد تُقاس صحته بالأرقام، واقتصاد يُقاس بما يتبقى في جيب المواطن آخر الشهر.
فقد ارتفع التضخم السنوي في مصر إلى 14.9% في يوليو، بعد أن سجل 14.3% في يونيو، بالتزامن مع تطبيق زيادات جديدة على بعض شرائح الكهرباء خلال أغسطس. وقد تبدو هذه النسب محدودة لمن ينظر إليها من أعلى، لكنها بالنسبة لأسرة تعيد ترتيب احتياجاتها كل شهر ليست مجرد أرقام؛ بل تُترجم إلى طعام أقل، ودواء مؤجل، وملابس مؤجلة، وترفيه ملغى، واحتياجات أساسية يجري حسابها أكثر من مرة قبل شرائها.
ليس المطلوب أن تنكر الدولة أرقامها، أو تتجاهل ما تحقق، أو تتعامل مع الإصلاح الاقتصادي باعتباره خطأ يجب التراجع عنه. فبناء اقتصاد قوي ومستقر، وزيادة الإنتاج، وجذب الاستثمار، وخفض الاختلالات المالية، أهداف لا خلاف عليها.
لكن السؤال الذي يجب أن يظل مطروحًا هو: متى يتحول تحسن الاقتصاد من خبر جيد في نشرات الأخبار إلى إحساس حقيقي داخل البيوت؟
هذه ليست معركة بين الحكومة والمواطن، ولا دعوة إلى هدم ما تحقق، وإنما مطالبة بأن يكون الإنسان هو الغاية النهائية للإصلاح الاقتصادي، وليس مجرد الطرف الذي يتحمل تكلفته.
فالإصلاح لا يكتمل بمجرد تحسن المؤشرات. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يستطيع الدخل أن يلاحق الأسعار، وعندما تستطيع الأسرة دفع فواتيرها دون التضحية باحتياجات أخرى، وعندما لا يصبح ارتفاع سعر سلعة أساسية سببًا لإعادة كتابة ميزانية الأسرة بالكامل.
فالأسعار لا تتعامل مع المواطن باعتباره رقمًا في متوسطات الدخل. بائع الخضار لا يقول إن التضخم انخفض، وصاحب الصيدلية لا يبيع الدواء وفقًا لمعدل النمو، وسائق المواصلات لا يحسب أجرته بناءً على توقعات المؤسسات الدولية.
لذلك لا ينبغي أن يقاس نجاح السياسة الاقتصادية فقط بمؤشرات الاقتصاد الكلي، وإنما أيضًا بما يحدث في الحياة اليومية: كم يدفع المواطن؟ وكم يتبقى له؟ وكم ارتفعت تكلفة احتياجات أسرته؟ وهل ما زال قادرًا على الادخار والتعليم والعلاج والسكن؟
وهنا تأتي مسؤولية الدولة: أن تشرح للناس، لا أن تكتفي بإبلاغهم. فالمواطن يستطيع تحمل الصعب إذا فهم لماذا هو صعب، وإلى أين يقوده، ومتى يمكن أن يرى ثماره.
أما أن يسمع عن مؤشرات إيجابية بينما يشعر بأن حياته تزداد كلفة، فهذه فجوة خطيرة بين الخطاب الرسمي والتجربة الشعبية.
قد تتحسن مؤشرات التضخم والنمو والاستثمار والدين، لكن كل ذلك يجب أن تكون له ترجمة واضحة في حياة المصريين. فالنمو الذي لا يخلق فرص عمل أفضل، والدخل الذي لا يلحق بتكاليف المعيشة، والاستثمار الذي لا ينعكس على الخدمات، تظل مؤشرات ناقصة من وجهة نظر المواطن.
الدولة تحتاج إلى اقتصاد قوي.. والمواطن يحتاج إلى حياة محتملة. ولا تعارض بين الاثنين.
لقد تحمل المصريون كثيرًا خلال سنوات الإصلاح، ودفعوا أثمانًا باهظة من أجل الاستقرار الاقتصادي. لكن التحمل ليس شيكًا على بياض ولا وعداً أبدياً .
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تصبح الدولة سعيدة بأرقامها، بينما يصبح المواطن خائفًا من فاتورته.
هناك اقتصاد تقوله الدولة.. وهناك اقتصاد يعيشه الناس.والحكمة تقتضي ألا نضع الاثنين في مواجهة، وإنما أن نجعل الأول يخدم الثاني.أن يتحول النمو إلى دخل، والاستقرار إلى أمان، والإصلاح إلى عدالة، والأرقام إلى حياة.
وإلا ستظل هناك مصر في التقارير.. ومصر أخرى تنتظر عند صندوق الدفع .
اقرأ أيضا – الإعلامي خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: المصريون بالخارج.. كنز الانتماء قبل الدولار




